محمد جمال الدين القاسمي

508

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

وهو ملك عظيم . وقد ثبت في الصحيح « 1 » عن عبد الله قال : بينا أنا أمشي مع رسول الله صلى اللّه عليه وسلم في حرّة المدينة ، وهو متكئ على عسيب ، فمررنا على نفر من اليهود . فقال بعضهم لبعض : سلوه عن الروح ؟ وقال بعضهم : لا تسألوه عسى أن يخبر فيه بشيء تكرهونه . وقال بعضهم : نسأله . فقام رجل فقال : يا أبا القاسم ! ما الروح ؟ فسكت عنه رسول الله صلى اللّه عليه وسلم . فعلمت أنه يوحى إليه . فقمت . فلما تجلى عنه قال : وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ الآية ، ومعلوم أنهم إنما سألوه عن أمر لا يعرف إلا بالوحي . وذلك هو الروح الذي عند الله لا يعلمها الناس . وأما أرواح بني آدم فليست من الغيب . وقد تكلم فيها طوائف الناس من أهل الملل وغيرهم . فلم يكن الجواب عنها من أعلام النبوة . فإن قيل : فقد روى أبو الشيخ عن السدّيّ عن أبي مالك ، عن ابن عباس قال : بعثت قريش عقبة بن أبي معيط وعبد الله بن أمية بن المغيرة إلى يهود المدينة يسألونهم عن النبي صلى اللّه عليه وسلم . فقالوا : إنه قد خرج فينا رجل يزعم أنه نبيّ . وليس على ديننا . ولا على دينكم . قالوا : فمن تبعه ؟ قالوا : سفلتنا والضعفاء والعبيد ومن لا خير فيه . وأما أشراف قومه فلم يتبعوه . فقالوا : إنه قد أظلّ زمان نبيّ يخرج ، وهو على ما تصفون من أمر هذا الرجل ، فأتوه فاسألوه عن ثلاث خصال فأمركم بهن . فإن أخبركم بهن فهو نبيّ صادق . وإن لم يخبركم بهن فهو كذّاب . سلوه عن الروح التي نفخ الله تعالى في آدم . فإن قال لكم : هي من الله ، فقولوا : كيف يعذب الله في النار شيئا هو منه . ؟ فسأل جبريل عنها فأنزل الله الآية . يقول : هو خلق من خلق الله ليس هو من الله . قيل : مثل هذا الإسناد لا يحتج به . فإنه من تفسير السديّ عن أبي مالك . وفيه أشياء منكرة . وسياق هذه القصة في السؤال ، من الصحاح والمسانيد ، كلها تخالف سياق السديّ . وقد رواها الأعمش والمغيرة عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله قال : مر النبيّ صلى اللّه عليه وسلم على ملأ من اليهود . وأنا أمشي معه . فسألوه عن الروح ، قال فسكت . فظننت أنه يوحى إليه . فنزلت وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ يعني اليهود قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي . . . الآية . وكذلك هي في قراءة عبد الله . فقالوا كذلك نجد مثله في التوراة أن الروح من أمر الله عز وجل . رواه جرير بن عبد الحميد وغيره عن المغيرة . و روى يحيى بن زكريا بن أبي زائدة ، عن داود بن أبي هند ، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال :

--> ( 1 ) أخرجه البخاريّ في : العلم ، 47 - باب قوله تعالى : وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا . حديث رقم 106 .