محمد جمال الدين القاسمي

497

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

تنبيه : ذهب بعضهم إلى أن القرآن مما يستشفى به من الأمراض الحسّية لهذه الآية . بحمل قوله شِفاءٌ على معنيين من باب عموم المجاز . أو حمل المشترك على معنييه ، وممن قرر ذلك الرازيّ . وعبارته : اعلم أن القرآن شفاء من الأمراض الروحانية . وشفاء أيضا من الأمراض الجسمانية . أما كونه شفاء من الأمراض الروحانية فظاهر . وذلك لأن الأمراض الروحانية نوعان : الاعتقادات الباطلة . والأخلاق المذمومة . أما الاعتقادات الباطلة ، فأشدها فساد الاعتقادات في الإلهيات والنبوّات والمعاد والقضاء والقدر . والقرآن مشتمل على دلائل المذهب الحق في هذه المطالب ، وإبطال المذاهب الباطلة فيها . لا جرم كان شفاء من هذا النوع من المرض الروحاني وأما الأخلاق المذمومة ، فالقرآن مشتمل على تفصيلها وتعريف ما فيها من المفاسد ، والإرشاد إلى الأخلاق الفاضلة الكاملة ، والأعمال المحمودة . فكان القرآن شفاء من هذا النوع من المرض . فثبت أن القرآن شفاء من جميع الأمراض الروحانية . وأما كونه شفاء من الأمراض الجسمانية ، فلأن التبرك بقراءته يدفع كثيرا من الأمراض . ولما اعترف الجمهور من الفلاسفة وأصحاب الطلسمات بأن لقراءة الرقي المجهولة والعزائم التي لا يفهم منها شيء آثارا عظيمة في تحصيل المنافع ودفع المفاسد - فلأن تكون قراءة هذا القرآن العظيم ، المشتمل على ذكر جلال اللّه وكبريائه ، وتعظيم الملائكة المقربين ، وتحقير المردة والشياطين سببا لحصول النفع في الدين والدنيا - كان أولى . ويتأكد ما ذكرنا بحديث : ( من لم يستشف بالقرآن فلا شفاه اللّه تعالى ) وأما كونه رحمة للمؤمنين ، فاعلم أنا بينا أن الأرواح البشرية مرضية بسبب العقائد الباطلة والأخلاق الفاسدة . والقرآن منه ما يفيد الخلاص من شبهات الضالين وتمويهات والمبطلين ، وهو الشفاء . ومنه مما يفيد تعليم كيفية اكتساب العلوم العالية والأخلاق الفاضلة ، التي بها يصل الإنسان إلى جوار رب العالمين ، والاختلاط بزمرة الملائكة المقربين ، وهو الرحمة . ولما كانت إزالة المرض مقدمة على السعي في تكميل موجبات الصحة ، لا جرم بدأ اللّه تعالى ، في هذه الآية ، بذكر الشفاء ثم أتبعه بذكر الرحمة . انتهى . وقال الإمام ابن القيم في ( زاد المعاد ) في بحث الأدوية والأغذية المفردة ، التي جاءت على لسانه صلى اللّه عليه وسلم في حرف القاف : ( قرآن ) : قال اللّه تعالى : وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ . والصحيح أن ( من ) هاهنا لبيان الجنس ، لا للتبعيض .