محمد جمال الدين القاسمي

493

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

موجبا له صفة الربوبية ، ولا مخرجه من صفة العبودية لربه . كما أن مباينة محمد صلى اللّه عليه وسلم ما كان مباينا له من الأشياء ، غير موجبة له صفة الربوبية ولا مخرجته من صفة العبودية لربه . من أجل أنه موصوف بأنه مباين له ، كما أن اللّه عزّ وجلّ موصوف - على قول قائل هذه المقالة بأنه مباين لها . هو مباين له . قالوا : فإذا كان معنى ( مباين ومباين ) لا يوجب لمحمد صلى اللّه عليه وسلم الخروج من صفة العبودية ، والدخول في معنى الربوبية فكذلك لا يوجب له ذلك قعوده على عرش الرحمن . فقد تبين إذا بما قلنا أنه غير محال في قول أحد ممن ينتحل الإسلام ما قاله مجاهد ، من أن اللّه تبارك وتعالى يقعد محمدا على عرشه ، فإن قال قائل : فإنا لا ننكر إقعاد اللّه محمدا على عرشه ، وإنما ننكر إقعاده معه « حدثني » عباس بن عبد العظيم قال حدثنا يحيى بن كثير عن الجريري ، عن سيف السدوسيّ عن عبد اللّه بن سلام قال ، إن محمدا صلى اللّه عليه وسلم يوم القيامة ، على كرسي الرب ، بين يدي الرب تبارك وتعالى . وإنما ينكر إقعاده إياه معه قيل : أفجائز عندك أن يقعده عليه لا معه ؟ فإن أجاز ذلك صار إلى الإقرار بأنه إما معه أو إلى أنه يقعده ، واللّه للعرش مباين ، أو لا مماسّ ولا مباين ، وبأي ذلك قال ، كان منه دخولا في بعض ما كان ينكره . وإن قال : ذلك غير جائز منه ، خروجا من قول جميع الفرق التي حكينا قولهم ، وذلك فراق لقول جميع من ينتحل الإسلام : إذ كان لا قول في ذلك إلا الأقوال الثلاثة التي حكيناها . وغير محال في قول منها ما قال مجاهد في ذلك . انتهى كلام ابن جرير رحمه اللّه . وأقول : لك أن تجيب أيضا عن إيرادات الواحديّ الخمسة ، التي أفسد بها قول مجاهد . أما جواب إيراده الأول ، فإن مجاهدا لم يفسر مادة البعث وحدها بالإجلاس . وإنما فسر بعثه المقام المحمود بما ذكر . وعن الثاني : بأن المقام هو المنزلة والقدرة والرفعة ، معروف ذلك في اللغة . وعن الثالث : بدفع اللازم المذكور ، لأنه كما اتفق على أن له ذاتا لا تماثلها الذوات فكذلك كل ما يوصف به مما ورد في الكتاب والآثار ، فإنه لا يماثل الصفات . ولا يجوز قياس الخالق على المخلوق . وعن الرابع : بأنه مكابرة . إذ كل أحد يعرف - في الشاهد - لو أن ملكا استدعى جماعة للحضور لديه ، ورفع أفضلهم على عرشه ، أن المرفوع ذو مقام يفوق به الكل . وعن الخامس : بأنه من واد آخر غير ما نحن فيه ، إذ لا بعث لإصلاح المهمات