محمد جمال الدين القاسمي

484

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

الجمع مطلقا بين الأولين ، وكذا بين الأخيرين . فالجواب : هو كذلك بعذر السفر أو المطر ونحوها . وأما في غيرها فلا وذلك لما بينته السنة من فعل كل واحدة في الوقت الخاص بها ، إلا بعذر . قال الحافظ ابن كثير : قد بينت السنة عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم تواترا من أفعاله وأقواله ، تفاصيل هذه الأوقات على ما عليه أهل الإسلام اليوم ، مما تلقوه خلفا عن سلف ، وقرنا بعد قرن ، كما هو مقرر في مواضعه . وقال العلامة أبو السعود : ليس المراد إقامتها فيما بين الوقتين على وجه الاستمرار ، بل إقامة كل صلاة في وقتها الذي عين لها ببيان جبريل عليه السلام . كما أن أعداد ركعات كل صلاة موكولة إلى بيانه عليه السلام . ولعل الاكتفاء ببيان المبدأ والمنتهى في أوقات الصلوات من غير فصل بينها ، لما أن الإنسان فيما بين هذه الأوقات على اليقظة . فبعضها متصل ببعض ، بخلاف أول وقت العشاء والفجر فإنه باشتغاله فيما بينهما بالنوم ، ينقطع أحدهما عن الآخر . ولذلك فصل وقت الفجر عن سائر الأوقات . انتهى . والظاهر أن مستند من جوز الجمع في الحضر مطلقا هذه الآية مع أثر ابن عباس . جاء في ( رحمة الأمة ) ما مثاله : وعن ابن سيرين أنه يجوز الجمع من غير خوف ولا مرض لحاجة . ما لم يتخذه عادة . واختار ابن المنذر وجماعة جواز الجمع في الحضر من غير خوف ولا مطر ولا مرض . انتهى . و قد روى الشيخان « 1 » وغيرهما عن ابن عباس قال : صلى النبيّ صلى اللّه عليه وسلم بالمدينة سبعا وثمانيا : الظهر والعصر ، والمغرب والعشاء . ومن رواية لمسلم : صلى الظهر والعصر جميعا ، والمغرب والعشاء جميعا ، من غير خوف ولا سفر . وكثير من الرواة حملوا ذلك على ليلة مطيرة . والمسألة شهيرة . الثاني : قلنا إن هذه الآية إحدى الآيات التي جمعت الصلوات الخمس ، ومنها قوله تعالى : وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ [ هود : 114 ] ، فالطرف الأول صلاة الفجر فإن صلاة الفجر في النهار . فإن الصائم يصوم النهار . وهو يصوم من طلوع الفجر . والوتر تصلى بالليل وقد قال النبيّ صلى اللّه عليه وسلم « 2 » : صلاة الليل مثنى مثنى ، فإذا

--> ( 1 ) أخرجه البخاريّ في : مواقيت الصلاة ، 12 - باب تأخير الظهر إلى العصر ، حديث رقم 353 وأخرجه مسلم في : صلاة المسافرين وقصرها ، حديث رقم 55 . ( 2 ) أخرجه البخاريّ في : التهجد ، 10 - باب كيف كان صلاة النبيّ صلى اللّه عليه وسلم ، حديث رقم 314 . وأخرجه مسلم في : صلاة المسافرين وقصرها ، حديث رقم 147 .