محمد جمال الدين القاسمي

480

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

قال الزجاج : معنى الكلام كادوا يفتنونك . ودخلت ( أن ) المخففة من الثقيلة و ( اللام ) للتأكيد . والمعنى : أن الشأن قاربوا أن يفتنونك أي يخدعوك . ويصرفوك عن القرآن أي عن حكمه . وذلك لأن في إعطائهم ما سألوا مخالفة لحكم القرآن . وقوله : لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنا غَيْرَهُ أي غير ما أوحينا إليك وهو قولهم : قل اللّه أمرني بذلك وَإِذاً لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا أي لو فعلت ما أرادوا لاتخذوك خليلا ، وأظهروا للناس أنك موافق لهم على كفرهم ، وراض بشركهم . ثم قال : وَلَوْ لا أَنْ ثَبَّتْناكَ أي على الحق بعصمتنا إياك لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ أي تميل إليهم شَيْئاً قَلِيلًا وقوله شَيْئاً عبارة عن المصدر ، أو ركونا قليلا . و عن قتادة : لما نزلت هذه الآية . قال النبيّ صلى اللّه عليه وسلم : ( اللهم لا تكلني إلى نفسي طرفة عين ) . ثم توعده في ذلك أشد التوعد ، فقال : القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة الإسراء ( 17 ) : آية 75 ] إِذاً لَأَذَقْناكَ ضِعْفَ الْحَياةِ وَضِعْفَ الْمَماتِ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنا نَصِيراً ( 75 ) إِذاً لَأَذَقْناكَ ضِعْفَ الْحَياةِ وَضِعْفَ الْمَماتِ أي ضعف عذاب الحياة وضعف عذاب الممات ، يريد عذاب الدنيا وعذاب الآخرة . و ( الضعف ) عبارة عن أن يضم إلى الشيء مثله ، ودل على إضمار العذاب ، وصف العذاب بالضعف في كثير من الآيات . كقوله تعالى : رَبَّنا مَنْ قَدَّمَ لَنا هذا فَزِدْهُ عَذاباً ضِعْفاً فِي النَّارِ [ ص : 61 ] ، وقال : لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلكِنْ لا تَعْلَمُونَ [ الأعراف : 38 ] . والسبب في تضعيف العذاب ؛ أن أقسام نعم اللّه على الأنبياء أكثر . فكانت ذنوبهم أعظم . فكانت العقوبة المستحقة عليها أكثر . ونظيره قوله تعالى : يا نِساءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضاعَفْ لَهَا الْعَذابُ ضِعْفَيْنِ [ الأحزاب : 30 ] . تنبيهات : الأول : قال القفال رحمه اللّه ( بعد ذكره ما روي في سبب نزولها مما قدمناه ) : ويمكن أيضا تأويلها من غير تقييد بسبب يضاعف نزولها فيه ، لأن من المعلوم أن المشركين كانوا يسعون في إبطال أمر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بأقصى ما يقدرون عليه . فتارة كانوا يقولون : إن عبدت آلهتنا عبدنا إلهك فأنزل اللّه تعالى : قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ [ الكافرون : 1 - 2 ] ، وقوله : وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ [ القلم : 9 ] ، وعرضوا عليه الأموال الكثيرة والنساء الجميلة ليترك ادعاء النبوة . فأنزل