محمد جمال الدين القاسمي

48

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

وتعجب من كلمتهم الحمقاء هُوَ الْغَنِيُّ أي الذي وجوده بذاته ، وبه وجود كل شيء ، فكيف يماثله شيء ؟ ومن له الوجود كله ، فكيف يجانسه شيء ؟ والجملة علة لتنزيهه ، وإيذان بأن اتخاذ الولد من أحكام الحاجة ، إما للتقوّي به ، أو لبقاء نوعه لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ تقرير لغناه . أي فهو مستغن بملكه لهم عن اتخاذ أحد منهم ولدا إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطانٍ بِهذا أي : ما عندكم من حجة بهذا القول الباطن . توضيح لبطلانه ، بتحقيق سلامة ما أقيم من البرهان الساطع عن المعارض . أي ليس بعد هذا حجة تسمع . والمراد تجهيلهم ، وأنه لا مستند لهم سوى تقليد الأوائل ، واتباع جاهل لجاهل . تنبيه : دلت الآية على تسمية البرهان سلطانا . قال الإمام ابن القيم في ( مفتاح دار السعادة ) : إنه سبحانه سمى الحجة العلمية سلطانا . قال ابن عباس رضي اللّه عنه : كل سلطان في القرآن فهو حجة ، وهذا كقوله تعالى : إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطانٍ بِهذا يعني ما عندكم من حجة بما قلتم ، إن هو إلا قول على اللّه بلا علم . وقوله تعالى : إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْماءٌ سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ ما أَنْزَلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ [ النجم : 23 ] ، يعني ما أنزل بها حجة ولا برهانا ، بل هي من تلقاء أنفسكم وآبائكم . وقول تعالى : أَمْ لَكُمْ سُلْطانٌ مُبِينٌ يعني حجة واضحة . إلا موضعا واحدا اختلف فيه ، وهو قوله : ما أَغْنى عَنِّي مالِيَهْ هَلَكَ عَنِّي سُلْطانِيَهْ ، فقيل : المراد به القدرة والملك ، أي ذهب عني مالي وملكي ، فلا مال لي ولا سلطان ، قيل : هو على بابه ، أي انقطعت حجتي وبطلت ، فلا حجة لي . والمقصود : أن اللّه سبحانه سمى علم الحجة سلطانا ، لأنها توجب تسلط صاحبها واقتداره ، فله بها سلطان على الجاهلين ، بل سلطان العلم أعظم من سلطان اليد ، ولهذا ينقاد الناس للحجة ما لا ينقادون لليد ، فإن الحجة تنقاد لها القلوب ، وأما اليد فإنما ينقاد لها البدن . فالحجة تأسر القلب وتقوده ، وتذل المخالف ، وإن أظهر العناد والمكابرة ، فقلبه خاضع لها ذليل ، مقهور تحت سلطانها . بل سلطان الجاه ، إن لم يكن معه علم يساس به ، فهو بمنزلة سلطان السباع والأسود ونحوها ، قدرة بلا علم ولا رحمة ، بخلاف سلطان الحجة ، فإنه قدرة بعلم ورحمة وحكمة ، ومن لم يكن له اقتدار في علمه ، فهو إما لضعف حجته وسلطانه ، وإما لقهر سلطان اليد والسيف له ، وإلا فالحجة ناصرة نفسها ، ظاهرة على الباطل قاهرة له - انتهى - .