محمد جمال الدين القاسمي

472

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

الصفا ذهبا . وأن ينحّي الجبال عنهم فيزرعوا . فقيل له : إن شئت أن تستأني بهم ، وإن شئت أن يأتيهم الذي سألوا . فإن كفروا ، هلكوا كما أهلكت من كان قبلهم من الأمم . قال : لا بل استأني بهم « 1 » ، وأنزل اللّه قوله تعالى : وَما مَنَعَنا أَنْ نُرْسِلَ الآية . ورواه النسائي . القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة الإسراء ( 17 ) : آية 60 ] وَإِذْ قُلْنا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحاطَ بِالنَّاسِ وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَما يَزِيدُهُمْ إِلاَّ طُغْياناً كَبِيراً ( 60 ) وَإِذْ قُلْنا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحاطَ بِالنَّاسِ أي علما ، فلا يخفى عليه شيء من كفرهم وتكذيبهم . ومنه ما جرى منهم ، إثر الرؤيا والإخبار بالشجرة ، من الجحود والهزء واللغو . كما قال سبحانه : وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ قال الأكثرون : يعني ما رآه النبيّ صلى اللّه عليه وسلم ليلة الإسراء من الآيات . فلما ذكرها النبيّ صلى اللّه عليه وسلم للناس ، أنكر بعضهم ذلك وكذّبوا . وجعل اللّه ذلك ثباتا ويقينا للمخلصين . فكانت فتنة ، أي اختبارا وامتحانا ، وتمسك بهذا من جعل الإسراء مناما ، لكون الرؤيا مخصوصة بالمنام . وأجيب بأن قوله تعالى : إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ يرده . لأن رؤيا المنام لا يفتتن بها أحد ولا يكذّب . وجاء في اللغة ( الرؤيا بمعنى الرؤية مطلقا ) وهو معنى حقيقيّ لها . وقيل : إنها حقيقة في رؤيا المنام ورؤيا اليقظة ليلا . وقد ذكر السهيلي ؛ أنه ورد في كلام العرب بهذا المعنى . وأنه كالقربى والقربة . وقيل : إنه مجاز ، إما مشاكلة لتسميتهم له رؤيا ، أو جار على زعمهم . أو على التشبيه بها لما فيها من خرق العادة . أو لوقوعها ليلا . أو لسرعتها . أفاده الشهاب . وروى الطبري عن الحسن في الآية هذه ؛ قال : أسري به صلى اللّه عليه وسلم عشاء إلى بيت المقدس فصلى فيه وأراه اللّه ما أراه من الآيات . ثم أصبح بمكة فأخبرهم أنه أسرى به إلى بيت المقدس . فقالوا له : يا محمد ! ما شأنك ؟ أمسيت فيه ثم أصبحت فينا تخبرنا أنك أتيت بيت المقدس ؟ فعجبوا من ذلك حتى ارتد بعضهم عن الإسلام . وقال قوم : الآية في رؤياه صلى اللّه عليه وسلم التي رأى أنه يدخل مكة . فروى البريّ عن ابن عباس . قال : يقال : إن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أري أنه دخل مكة هو وأصحابه . وهو يومئذ بالمدينة . فعجل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم السير إلى مكة . قبل الأجل : فرده المشركون . فقالت

--> ( 1 ) أخرجه في المسند 1 / 258 والحديث رقم 2333 .