محمد جمال الدين القاسمي
461
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
صاحبها مسؤولا عما نسب إليها يوم القيامة . أو تسأل نفس الأعضاء لتشهد على صاحبها . قال المهايمي : قدم السمع لأن أكثر ما ينسب الناس أقوالهم إليه . وأخر الفؤاد ، لأن منتهى الحواس . ولم يذكر بقيتها لأنه لا يخالفها قول أو فعل . وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً أي مختالا . أي مشية المعجب المتكبر . إذ لا يفيدك قوة ولا علوّا . كما قال سبحانه : إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ أي لن تجعل فيها خرقا بدوسك لها ، وشدة وطأتك : وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبالَ طُولًا أي لن تحاذيها بتطاولك ومدّ قامتك ، كما يفعله المختال تكلفا ، وفي هذا تهكم بالمختال ، وإيذان بأن ذلك مفاخرة مع الأرض وبعض أجزائها . قال الناصر : وفي هذا التهكم والتقريع لمن يعتاد هذه المشية ، كفاية في الانزجار عنها . ولقد حفظ اللّه عوامّ زماننا عن هذه المشية . وتورط فيها قراؤنا وفقهاؤنا . بينا أحدهم قد عرف مسألتين أو أجلس بين يديه طالبين ، أو شدّ طرفا من رئاسة الدنيا ، إذا هو يتبختر في مشيه ، ويترجع ولا يرى أنه يطاول الجبال ، ولكن يحك بيافوخه عنان السماء ، كأنهم يمرون عليها وهم عنها معرضون . وماذا يفيده أن يقرأ القرآن أو يقرأ عليه ، وقلبه عن تدبره على مراحل ، واللّه ولي التوفيق . القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة الإسراء ( 17 ) : الآيات 38 إلى 39 ] كُلُّ ذلِكَ كانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً ( 38 ) ذلِكَ مِمَّا أَوْحى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ وَلا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فَتُلْقى فِي جَهَنَّمَ مَلُوماً مَدْحُوراً ( 39 ) كُلُّ ذلِكَ أي المنهيّ عنه من قوله : وَلا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ إلى هذه الغاية : كانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً قال المهايمي : أما الشرك فلإخلاله بالكمال المطلق الذي لا يتصور مع الشرك . وأما عبادة الغير فلما فيها من تعظيمه المخصوص بذي الكمال المطلق فهو في معنى الشرك ، وأما العقوق فلأنه كفران نعمة الأبوين في التربية ، أحوج ما يكون المرء إليها . ومنع الحقوق بالبخل تفريط ، والتبذير والبسط إفراط . وهما مذمومان ، والذميم مكروه . والقتل يمنع الحكمة من بلوغها إلى كمالها . . . والزنى وإتلاف مال اليتيم في معناه . ونقض العهد مخلّ بنظام العالم . وكذا اقتفاء ما لا يعلم . والتكبر من خواص الحق . وعادة الملوك كراهة أن يأخذ أحد من خواصه شيئا : ذلِكَ مِمَّا أَوْحى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ أي مما يحكم العقل بصحته ، وتصلح النفس بأسوته .