محمد جمال الدين القاسمي
458
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
وحكمته إِنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيراً بَصِيراً أي خبيرا ببواطنهم ، بصيرا بظواهرهم . قال المهايميّ : ولما وجب إيتاء ذي القربى والمسكين وابن السبيل ، لحفظ أرواحهم ، فالأولاد بحفظ الأرواح أولى ، لذلك قال تعالى : القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة الإسراء ( 17 ) : آية 31 ] وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كانَ خِطْأً كَبِيراً ( 31 ) وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ نهي لهم عما كانوا يفعلونه في الجاهلية من قتلهم أولادهم . وهو وأدهم بناتهم . أي دفنهن في الحياة . كانوا يئدونهن خشية الفاقة وهي الإملاق والفقر ، بالإنفاق عليهم إذا كبروا . فنهاهم اللّه وضمن لهم أرزاقهم بقوله : نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ أي نحن المختصون بإعطاء رزقهم في الصغر والكبر ، وقوله تعالى : وَإِيَّاكُمْ أي الآن بإغنائكم . وقوله تعالى : إِنَّ قَتْلَهُمْ أي للإملاق الحاضر والخشية في المستقبل كانَ خِطْأً كَبِيراً أي لإفضائه إلى تخريب العالم . وأي خطء أكبر من ذلك . تنبيه : دل قوله تعالى : خَشْيَةَ إِمْلاقٍ على أن ذلك هو الحامل لهم على الوأد ، لا خوف العار كما زعموا . قال المبرّد في ( الكامل ) : كانت العرب في الجاهلية تئد البنات . ولم يكن هذا في جميعها . إنما كان في تميم بن مرّ ، وقيس ، وأسد ، وهذيل ، وبكر بن وائل . ثم قال : ودل على ما من أجله قتلوا البنات فقال : وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ وقال : وَلا يَقْتُلْنَ أَوْلادَهُنَّ [ الممتحنة : 12 ] ، فهذا خبر بيّن أنّ ذلك للحاجة . وقد روى بعضهم أنهم إنما فعلوا ذلك أنفة . وذكر أبو عبيدة معمر بن المثنّى ؛ أن تميما منعت النعمان الإتاوة . فوجه إليهم أخاه الريان بن المنذر ، فاستاق النعم وسبى الذراري . فوفدت إليه بنو تميم . فلما رآها أحب البقيا . فأناب القوم وسألوه النساء . فقال النعمان : كل امرأة اختارت أباها ردت إليه ، وإن اختارت صاحبها تركت عليه . فكلهن اختار أباها إلا ابنة القيس بن عاصم فإنها اختارت صاحبها عمرو ابن المشمرج . فنذر قيس ألا تولد له ابنة إلا قتلها . فهذا شيء يعتلّ به من وأد ، ويقول : فعلناه أنفة ، وقد أكذب ذلك بما أنزل اللّه تعالى في القرآن . وقال ابن عباس رحمه اللّه ( في تأويل هذه الآية ) : وكانوا لا يورّثون ولا