محمد جمال الدين القاسمي

443

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ أي مؤاخذة المرة الآخرة وعقوبتها . وقوله تعالى : لِيَسُوؤُا وُجُوهَكُمْ متعلق بجواب ( إذا ) المحذوف . أي بعثناهم ليسوؤا وجوهكم ، أي ذواتكم بالإذلال والقهر . قال الشهاب : عديت المساءة إلى الوجوه ، وإن كانت عليهم ، لأن آثار الأعراض النفسانية إنما تظهر في الوجه . كنضارة الوجه وإشراقه بالفرح . وكلوحه وسواده بالخوف والحزن . فالوجه ، بمعنى الذات مجاز مرسل ، أو استعارة تبعية . وقيل : الوجوه بمعنى الرؤساء . وهو تكلف . واختير هذا على ( ليسوؤكم ) مع أنه أخصر وأظهر ، إشارة إلى أنه جمع عليهم ألم النفس والبدن ، المدلول بقوله : وَلِيُتَبِّرُوا . انتهى . وقوله تعالى : وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ أي الأقصى كَما دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا أي يدمروا ما عَلَوْا تَتْبِيراً أي عظيما فظيعا ، والتتبير : التدمير . وكل شيء كسرته وفتّته فقد تبرته . ثم أشار إلى أن فعله تعالى ليخلصوا توبتهم وأعمالهم بقوله : عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ أي إذ أخلصتم للإنابة ، وأحسنتم الأعمال ، وأقمتم الكتاب وما نزل إليكم ، لأنكم علمتم من سنته تعالى أنه لا ينزل بلاء إلا بذنب ولا يرفعه إلا بتوبة ، ولذا قال : وَإِنْ عُدْتُمْ أي بعد هذه التوبة والإنابة إلى الاستكبار عُدْنا أي إلى تسليط الأعداء وسلب الأموال والأولاد في الدنيا . وَجَعَلْنا أي يوم القيامة جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ حَصِيراً أي محبسا وسجنا يحصرهم في العذاب والحرمان عن الثواب . قال الشهاب : إن كان - ( حصيرا ) - اسما للمكان فهو جامد لا يلزم تذكيره وتأنيثه . وإن كان بمعنى حاصرا أي محيطا بهم ، وفعيل بمعنى فاعل ، يلزم مطابقته . فإما لأنه على النسب . كلابن وتأمر . أو لحمه على ( فعيل ) بمعنى ( مفعول ) . أو لأن تأنيث جهنم غير حقيقيّ أو لتأويلها بمذكر . انتهى . وقيل : حصيرا ، أي بساطا كما يبسط الحصير . مثل قوله تعالى : لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهادٌ [ الأعراف : 41 ] ، فهو تشبيه بليغ . والحصير بهذا المعنى بمعنى محصور لحصر بعض طاقاته على بعض . كما قاله الراغب . تنبيه : روي أن بني إسرائيل كان الأمر مستتبا لهم في فلسطين إلى موت سليمان عليه