محمد جمال الدين القاسمي

434

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

الحديث أنه كان نائما في القصة كلها إلا ما يدل عليه ( ثم استيقظت وأنا في المسجد الحرام ) فلعل قوله ( استيقظت ) بمعنى أصبحت . أو استيقظ من نوم آخر بعد وصوله بيته . ويدل عليه أن مسراه لم يكن طول ليلة . وإنما كان في بعضه . وقد يكون قوله : ( استيقظت وأنا في المسجد الحرام ) لما كان غمره من عجائب ما طالع من ملكوت السماوات والأرض ، وخامر بطنه من مشاهدة الملإ الأعلى ، وما رأى من آيات ربه الكبرى . فلم يستفق ويرجع إلى حال البشرية إلا وهو بالمسجد الحرام . ووجه ثالث ؛ أن يكون نومه واستيقاظه حقيقة على مقتضى لفظه . ولكنه أسرى بجسده وقلبه حاضر ، ورؤيا الأنبياء حق . تنام أعينهم ولا تنام قلوبهم . وقد مال بعض أصحاب الإشارات إلى نحو من هذا . قال : تغميض عينيه لئلا يشغله شيء من المحسوسات عن اللّه ، ولا يصح هذا أن يكون في وقت صلاته بالأنبياء ، ولعله كانت له في هذا الإسراء حالات . ووجه رابع ، وهو أن يعبر بالنوم هاهنا عن هيئة النائم من الاضطجاع . ويقويه قوله في رواية عبد بن حميد عن همام : ( بينا أنا نائم وربما قال مضطجع ) وفي رواية هدبة عنه ( بينا أنا في الحطيم وربما قال في الحجر مضطجع ) . وقوله في الرواية الأخرى ( بين النائم واليقظان ) فيكون سمى هيئته بالنوم لما كانت هيئة النائم غالبا . وذهب بعضهم إلى أن هذه الزيادات من النوم وذكر شق البطن ودنوّ الرب ، الواقعة في هذا الحديث ، إنما هي من رواية شريك عن أنس . فهي منكرة من روايته . انتهى كلام عياض . وبقيت له بقية من شاء فليراجعها . الخامس : جملة الأقوال في الإسراء والمعراج . على ما حكاه ابن القيم في ( زاد المعاد ) ، ستة : بروحه وجسده وهو الذي صححوه . وقيل : كان ذلك مناما . وقيل بل يقال أسري به ولا يقال يقظة ولا مناما . وقيل كان الإسراء إلى بيت المقدس يقظة وإلى السماء مناما ، وقيل : كان الإسراء مرتين ، مرة يقظة ومرة مناما . وقيل بل أسري به ثلاث مرات . وكان ذلك بعد البعث بالاتفاق . وأما ما وقع في حديث شريك أن ذلك قبل أن يوحى إليه ، فقيل هو غلط وقيل : الوحي هنا مقيد وليس بالوحي المطلق الذي هو مبدأ النبوة . والمراد قبل أن يوحى إليه في شأن الإسراء ، فأسري به فجأة من غير تقدم إعلام . وقد قدمنا أن عائشة ومعاوية والحسن ، نقل الأكثرون عنهم ؛ أنها رؤيا منام ، وكذا حكى ابن جرير عن حذيفة إلا أن ابن القيم نبه على دقيقة غريبة . قال رحمه اللّه : نقل ابن إسحاق عن عائشة ومعاوية أنهما قالا : إنما كان الإسراء بروحه