محمد جمال الدين القاسمي
425
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة النحل ( 16 ) : الآيات 127 إلى 128 ] وَاصْبِرْ وَما صَبْرُكَ إِلاَّ بِاللَّهِ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ ( 127 ) إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ ( 128 ) وَاصْبِرْ وَما صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ أي بمعونته وتوفيقه وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ أي على الكافرين ، أي على كفرهم وعدم هدايتهم وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ أي في ضيق صدر مما يمكرون من فنون المكايد إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ . تعليل لما قبله . أي فإنه تعالى كافيك وناصرك ومؤيدك ومظفرك بهم . لأنه تعالى مع المتقين والمحسنين بالمعونة والنصر والتأييد ، فيحفظهم ويكلؤهم ويظهرهم على أعدائهم . قال ابن كثير : هذه معية خاصة كقوله تعالى إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا [ الأنفال : 12 ] . وقوله لموسى وهارون لا تَخافا ، إِنَّنِي مَعَكُما أَسْمَعُ وَأَرى [ طه : 46 ] . وأما المعية العامة فالسمع والبصر والعلم كقوله تعالى وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ [ الحديد : 4 ] . وقوله ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سادِسُهُمْ وَلا أَدْنى مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ ما كانُوا [ المجادلة : 7 ] . قال أبو السعود : تكرير الموصول للإيذان بكفاية كل من الصلتين في ولايته سبحانه ، من غير أن تكون إحداهما تتمة للأخرى . وإيراد الأولى فعلية للدلالة على الحدوث . كما أن إيراد الثانية اسمية لإفادة كون مضمونها شيمة راسخة فيهم . وتقديم التقوى على الإحسان لما أن التخلية متقدمة على التحلية . والمراد بالموصولين إما جنس المتقين والمحسنين ، وهو صلى اللّه عليه وسلم داخل في زمرتهم دخولا أوليّا . وإما هو صلى اللّه عليه وسلم ومن شايعه . عبّر عنهم بذلك ، مدحا لهم وثناء عليهم بالنعتين الجميلتين . وفيه رمز إلى أن صنيعه صلى اللّه عليه وسلم مستتبع لاقتداء الأمة به ، كقول من قال لابن عباس رضي عنهما ، عند التعزية بأبيه العباس : اصبر نكن بك صابرين فإنّما * صبر الرّعية عند صبر الرّاس وبعد هذا البيت : خير من العباس أجرك بعده * واللّه خير منك للعبّاس قال ابن عباس : ما عزّاني أحد من تعزيته . وعن هرم بن حيان أنه قيل له حين الاحتضار : أوص . قال : إنما الوصية من المال ، فلا مال لي . وأوصيكم بخواتيم سورة النحل . . .