محمد جمال الدين القاسمي

422

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة النحل ( 16 ) : آية 124 ] إِنَّما جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ( 124 ) إِنَّما جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ يعني اليهود ، فرض عليهم تقديسه وإراحة أنفسهم ودوابّهم فيه من الأعمال . فاعتدوا فيه واحتالوا لحلّه . قال القاشاني : أي ما فرض عليك ، إنما فرض عليهم . فلا يلزمك اتباع موسى في ذلك ، بل اتباع إبراهيم ، وقوله تعالى : وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ أي بالمجازاة على اختلافهم ، يعني إفسادهم وزيغهم عن طريق الحق . ثم بين تعالى أدب الدعوة إلى دينه الحق ، بقوله : القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة النحل ( 16 ) : آية 125 ] ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ( 125 ) ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ أي بالمقالة المحكمة الصحيحة . وهو الدليل الموضح للحق ، المزيح للشبهة وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ أي العبر اللطيفة والوقائع المخيفة ، ليحذروا بأسه تعالى وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ أي جادل معانديهم بالطريقة التي هي أحسن طرق المجادلة ، من الرفق واللين وحسن الخطاب ، من غير عنف . فإن ذلك أبلغ في تسكين لهبهم . وقوله تعالى : إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ أي عليك البلاغ والدعوة بالصفة المبينة فلا تذهب نفسك ، على من ضلّ منهم ، حسرات ، فإنه ليس عليك هداهم . لأنه هو أعلم بمن يبقى على الضلال وبمن يهتدي إليه . فيجازي كلّا منهما بما يستحقه . أو المعنى : اسلك في الدعوة والمناظرة الطريقة المذكورة . فإن اللّه تعالى هو أعلم بحال من لا يرعوي عن الضلال بموجب استعداده المكتسب . وبحال من يصير أمره إلى الاهتداء لما فيه من خير جبلّي . فما شرعه لك في الدعوة ، هو الذي تقتضيه الحكمة . فإنه كاف في هداية المهتدين وإزالة عذر الضالين . أفاده أبو السعود . تنبيه : دلّ قوله تعالى : وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ على الحث على الإنصاف في