محمد جمال الدين القاسمي

419

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

وما في الآية أبلغ من المثال المذكور ، لما سمعت . أفاده في ( العناية ) . واللام في لِتَفْتَرُوا لام الصيرورة والعاقبة المستعارة من التعليلية . إذ ما صدر منهم ليس لأجل هذا ، بل لأغراض أخر يترتب عليها ما ذكر . وجوز كونها تعليلية ، وقصدهم لذلك غير بعيد . وفي قوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ الآية . وعيد شديد بعدم ظفرهم وفوزهم بمطلوب يعتد به لا في الدنيا ولا في الآخرة . أما في الدنيا ، فلأن ما يفترون لأجله متاع قليل ينقطع عن قريب . وأما في الآخرة فلهم عذاب أليم ، كما قال : نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلى عَذابٍ غَلِيظٍ [ لقمان : 24 ] . تنبيه : قال الحافظ ابن كثير : يدخل في الآية كل من ابتدع بدعة ليس له فيها مستند شرعيّ أو حلل شيئا مما حرم اللّه . أو حرّم شيئا مما أباح اللّه ، بمجرد رأيه وتشهّيه . أخرج ابن أبي حاتم عن أبي نضرة قال : قرأت هذه الآية في سورة النحل . فلم أزل أخاف الفتيا إلى يومي هذا . قال في ( فتح البيان ) : صدق رحمه اللّه . فإن هذه الآية تتناول بعموم لفظها فتيا من أفتى بخلاف ما في كتاب اللّه ، أو في سنة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . كما يقع كثيرا من المؤثرين للرأي المقدّمين له على الرواية . أو الجاهلين بعلم الكتاب والسنة . وأخرج الطبرانيّ عن ابن مسعود قال : عسى رجل يقول : إن اللّه أمر بكذا أو نهى عن كذا . فيقول اللّه عزّ وجلّ : كذبت . أو يقول : إنّ اللّه حرم كذا أو أحلّ كذا : فيقول اللّه له : كذبت . قال ابن العربي : كره مالك وقوم أن يقول المفتي : هذا حلال وهذا حرام في المسائل الاجتهادية . وإنما يقال ذلك فيما نص اللّه عليه . ويقال في المسائل الاجتهادية : إني أكره كذا وكذا ، ونحو ذلك . ولما ذكر تعالى ما حرمه علينا من الميتة والدم إلخ ، بيّن ما كان حرمه على اليهود في شريعتهم مما ليس فيه أيضا شيء مما حرمه المشركون ، تحقيقا لافترائهم بأن ما حظروه لا سند له في شريعة سابقة ولا لاحقة ، فقال سبحانه : القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة النحل ( 16 ) : الآيات 118 إلى 119 ] وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا ما قَصَصْنا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ( 118 ) ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ( 119 )