محمد جمال الدين القاسمي

413

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

أصحابه . فوثبت كل قبيلة على من فيها من المسلمين . فجعلوا يحبسونهم ويعذبونهم بالضرب والجوع والعطش . وبرمضاء مكة إذا اشتد الحرّ . يفتنونهم عن دينهم . فمنهم من يفتتن من شدة البلاء الذي يصيبه . ومنهم من يصلب لهم ويعصمه الله منهم . وكان بلال رضي اللّه عنه عبدا لبعض بني جمح . يخرجه أمية بن خلف ، إذا حميت الظهيرة ، فيطرحه على ظهره في بطحاء مكة . ثم يأمر بالصخرة العظيمة فتوضع على صدره . ثم يقول له : لا تزال هكذا حتى تموت أو تكفر بمحمد وتعبد اللات والعزى . فيقول ( وهو في ذلك البلاء ) : أحد . أحد حتى اشتراه أبو بكر وأعتقه . وكانت بنو مخزوم يخرجون بعمار بن ياسر وبأبيه وأمه ، رضي اللّه عنهم ، إذا حميت الظهرة يعذبونهم برمضاء مكة . فيمرّ بهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فيقول : صبرا آل ياسر ، موعدكم الجنة فأما أمه فقتلوها وهي تأبى إلا الإسلام . قال سعيد بن جبير : قلت لابن عباس : أكان المشركون يبلغون من أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من العذاب ما يعذرون به في ترك دينهم ؟ قال : نعم . واللّه ! إن كانوا ليضربون أحدهم ويجيعونه ويعطشونه ، حتى ما يقدر على أن يستوي جالسا من شدة الضرب الذي نزل به ، حتى يعطيهم ما سألوه من الفتنة . حتى يقولوا له : اللات والعزى إلهك من دون اللّه ؟ فيقول : نعم . حتى إن الجعل ليمر بهم فيقولون له : هذا الجعل إلهك من دون اللّه ؟ فيقول : نعم . افتداء منهم ، مما يبلغون من جهده . وقد ذكر ابن هشام في ( السيرة ) في بحث ( عدوان المشركين على المستضعفين ممن أسلم بالأذى والفتنة ) غرائب في هذا الباب ، فانظره . قال ابن كثير : ولهذا اتفق العلماء على أن المكره على الكفر يجوز له أن يوالي ، إبقاء لمهجته . ويجوز له أن يأبى . كما كان بلال رضي اللّه عنه يأبى عليهم ، وهم يفعلون به الأفاعيل ، وهو يقول : أحد ، أحد . ويقول : واللّه ! لو أعلم كلمة أغيظ لكم منها لقلتها . رضي اللّه عنه وأرضاه . وكذلك حبيب بن زيد الأنصاري ، لما قال له مسيلمة الكذاب : أتشهد أن محمدا رسول اللّه ؟ فيقول : نعم . فيقول : أتشهد أني رسول اللّه ؟ فيقول : لا أسمع . فلم يزل يقطعه إربا إربا وهو ثابت على ذلك . وروى الحافظ ابن عساكر في ترجمة عبد اللّه بن حذافة السهمي ، أحد الصحابة أنه أسرته الروم . فجاءوا به إلى ملكهم . فقال له : تنصر وأنا أشركك في ملكي وأزوجك ابنتي . فقال له : لو أعطيتني جميع ما تملك وجميع ما تملكه العرب ، على أن أرجع عن دين محمد صلى اللّه عليه وسلم طرفه عين ، ما فعلت . فقال : إذا أقتلك .