محمد جمال الدين القاسمي

409

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

المتقدمين . كآية موسى وعيسى وغيرهما من الآيات الكونية الآفاقية ، بآية أخرى نفسية علمية ، وهي كون المنزل هدى ورحمة وبشارة يدركها العقل إذا تنبه لها وجرى على نظامه الفطري . وذلك لاستعداد الإنسان وقتئذ ، لأن يخاطب عقله ويستصرخ فمه ولبه . فلم يؤت من قبل الخوارق الكونية ويدهش بها كما كان لمن سلف . فبدلت تلك بآية هو كتاب العلم والهدى من نبيّ أمّيّ لم يقرأ ولم يكتب . وكون الكتاب بيّن الصدق قاطع البرهان ناصع البيان بالنسبة لمن أوتي ورزق الفهم . وهذا التأويل الثاني يرجحه على الأول ، أن السورة مكية . وليس في المكي منسوخ بالمعنى الذي يريدونه . ، وللبحث تفصيل في موضع آخر . وقد أشرنا إلى ذلك في آيتين من سورة البقرة في قوله تعالى : وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا إلخ [ البقرة : 23 ] ، وقوله : ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ [ البقرة : 106 ] ، والمقصود أنه تعالى ، لما رحم العالمين وجعل القرآن مكان ما تقدّم ، نسبوا الموحى إليه به إلى الافتراء ، ردّا للحق ، وعنادا للهدى ، وتوليا للشيطان ، وتعبّدا لوسوسته ، وما ذاك إلا لجهلهم المتناهي ، كما قال : بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ واعتراض قوله : وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ لتوبيخ الكفرة والتنبيه على فساد رأيهم . ثم أمره تعالى بأن يصدع بالحق في شأنه بقوله : قُلْ نَزَّلَهُ أي القرآن المدلول عليه بالآية رُوحُ الْقُدُسِ يعني جبريل عليه السلام . أضيف إلى القدس وهو الطهر . كما يقال ( حاتم الجود وزيد الخير وخبر السوء ورجل صدق ) والمراد الروح المقدس وحاتم الجواد وزيد الخيّر والخبر السيء والرجل الصادق . وإنما أضافوا الموصوف إلى مصدر الصفة للمبالغة في كثرة ملابسته له واختصاصه به . والمقدس المطهر من الأدناس البشرية وإضافة ( الرب ) إلى ضميره صلوات اللّه عليه في قوله تعالى : مِنْ رَبِّكَ للدلالة على تحقيق إفاضة آثار الربوبية . وقوله بِالْحَقِّ أي متلبسا بالحق الثابت الموافق للحكمة التي اقتضاها دور عصره ، وقوله تعالى : لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا أي على الحق ونبذ وساوس الشياطين . وفي قوله تعالى : وَهُدىً وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ تعريض بحصول أضداد هذه الصفات لغيرهم . القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة النحل ( 16 ) : آية 103 ] وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ ( 103 ) وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ ، لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ .