محمد جمال الدين القاسمي

40

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

حرمه اللّه ورسوله ، والدين ما شرعه اللّه رسوله صلى اللّه عليه وسلم فمن اعتقد أن لأحد من الأولياء طريقا إلى اللّه من غير متابعة محمد صلى اللّه عليه وسلم ، فهو كافر من أولياء الشيطان . وأما خلق اللّه تعالى للخلق ، ورزقه إياهم ، وإجابته لدعائهم ، وهدايته لقلوبهم ، ونصرهم على أعدائهم ، وغير ذلك من جلب المنافع ، ودفع المضار ، فهذا اللّه وحده ، يفعله بما يشاء من الأسباب ، لا يدخل في مثل هذا وساطة الرسل . ثم لو بلغ الرجل في الزهد والعبادة والعلم ما بلغ ، ولم يؤمن بجميع ما جاء به محمد صلى اللّه عليه وسلم فليس بمؤمن ، ولا وليّ للّه تعالى . كالأحبار والرهبان من علماء اليهود والنصارى وعبّادهم ، وكذلك المنتسبون إلى العلم والعبادة من مشركي العرب والترك والهند وغيرهم ، ممن كان من حكماء الهند والترك . وله علم أو زهد وعبادة في دينه ، وليس مؤمنا بجميع ما جاء به ، فهو كافر ، عدوّ للّه ، وإن ظن طائفة أنه وليّ للّه . كما كان حكماء الفرس من المجوس كفارا مجوسا ، وكذلك حكماء اليونان مثل أرسطو وأمثاله ، كانوا مشركين ، يعبدون الأصنام والكواكب . وفي أصناف المشركين من هذه الطوائف من له اجتهاد في العلم والزهد والعبادة ، ولكن ليس بمؤمن بالرسل ، ولا يصدقهم فيما أخبروا به ولا يطيعهم فيما أمروا ، فهؤلاء ليسوا بمؤمنين ، ولا أولياء للّه ، وهؤلاء تقترون بهم الشياطين وتنزل عليهم ، فيكاشفون الناس ببعض الأمور ، ولهم تصرفات خارقة من جنس السحر ، وهم من جنس الكهان والسحرة الذين تنزل عليهم الشياطين . قال تعالى : هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّياطِينُ ، تَنَزَّلُ عَلى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ ، يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كاذِبُونَ [ الشعراء : 221 - 223 ] ، وهؤلاء جميعهم الذين ينتسبون إلى المكاشفات ، وخوارق العادات ، إذا لم يكونوا متبعين للرسل ، فلا بد أن يكذبوا وتكذبهم شياطينهم ، لا بد أن يكون في أعمالهم ما هو إثم وفجور ، مثل نوع من الشرك أو الظلم أو الفواحش أو الغلو أو البدع في العبادة ، ولهذا تنزلت عليهم الشياطين ، واقترنت بهم ، فصاروا من أولياء الشيطان ، لا من أولياء الرحمن . ومن الناس من يكون فيه إيمان ، وفيه شعبة من نفاق ، كما في الصحيحين « 1 » عن أبي هريرة رضي اللّه عنه عن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « آية المنافق ثلاث : إذا حدّث كذب ، وإذا وعد أخلف ، وإذا اؤتمن خان » . وفي صحيح مسلم « 2 » : « وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم » .

--> ( 1 ) أخرجه البخاريّ في : الإيمان ، 24 - باب علامة المنافق ، حديث رقم 31 . ومسلم في : الإيمان ، حديث رقم 107 و 108 . ( 2 ) أخرجه مسلم في : الإيمان ، حديث 109 و 110 .