محمد جمال الدين القاسمي

385

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

فالنحل إذا نوعان : جبلية تسكن في الجبال والفيافي لا يتعهدها أحد من الناس . وأهلية تأوي إلى البيوت وتتعهد في الخلايا . ومن بديع الإلهام فيها اتخاذها البيوت قبل المرعى . فهي تتخذها أوّلا . فإذا استقر لها بيت خرجت منه ، فرعت . وأكلت من الثمرات . ثم أوت إلى بيوتها . وقد أشار تعالى إلى ذلك بقوله : ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ أي من كل ثمرة تشتهيها ، حلوها ومرها . فالعموم عرفيّ ، أو لفظ ( كل ) للتكثير . أو هو عام مخصوص بالعادة . ولو أبقي الأمر على ظاهره لجاز . لأنه لا يلزم من الأمر بالأكل من جميع الثمرات ، الأكل منها . لأن الأمر للتخلية والإباحة . لطيفة : إنما أوثر ( من ) في قوله تعالى : مِنَ الْجِبالِ إلخ ، على ( في ) دلالة على معنى التبعيض . وأن لا تبنى بيوتها في كل جبل وكل شجر وكل ما يعرش ، ولا في كل مكان منها . نبه عليه الزمخشري : قال الناصر : ويتزين هذا المعنى الذي نبه عليه في تبعيض ( من ) المتعلقة باتخاذ البيوت . بإطلاق الأكل . كأنه تعالى وكل الأكل إلى شهوتها واختيارها . فلم يحجر عليها فيه ، وإن حجر عليها في البيوت وأمرت باتخاذها في بعض المواضع دون بعض . لأن مصلحة الآكل حاصلة على الإطلاق باستمرار مشتهاها منه . وأما البيوت فلا تحصل مصلحتها في كل موضع . ولهذا المعنى دخلت ( ثم ) لتفاوت الأمر بين الحجر عليها في اتخاذ البيوت ، والإطلاق لها في تناول الثمرات . كما تقول راع الحلال فيما تأكله ، ثم كل أي شيء شئت . فتوسط ( ثم ) لتفاوت الحجر والإطلاق . فسبحان اللطيف الخبير . وقوله تعالى : فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا أي الطرق التي ألهمك وأفهمك في عمل العسل . فالسبل مجاز عن طرق العمل وأنواعها أو على حقيقتها . أي إذا أكلت الثمار في المواضع النائية فاسلكي راجعة إلى بيوتك . سبل ربك . لا تتوعّر عليك ولا تضلين فيها . و ( ذللا ) جمع ذلول ، حال من ( السبل ) أي مذلّلة ذللها اللّه لك وسهلها . فهي تسلك من هذا الجوّ العظيم . والبراري الشاسعة والأودية والجبال الشاهقة . ثم تعود كل واحدة منها إلى بيتها لا تحيد عنه يمنة ولا يسرة . وقوله تعالى يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِها شَرابٌ استئناف ، عدل به عن خطاب النحل لبيان ما يظهر منها من عجيب صنعه تعالى ، تعديدا للنعم ، وتنبيها على العبر ، وإرشادا إلى الآيات العظيمة من هذا الحيوان الضعيف . وسمي العسل شرابا ، لأنه يشرب مع الماء وغيره مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ