محمد جمال الدين القاسمي
374
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
البعث . ولذا تقول لهم الزبانية يوم القيامة : هذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ [ الطور : 14 ] ، ثم بين عظيم قدرته . وأنه لا يعجزه شيء مّا بقوله سبحانه إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ أي فيوجد على ما شاء تكوينه كقوله تعالى : وَما أَمْرُنا إِلَّا واحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ [ القمر : 50 ] ، وقوله : ما خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ [ لقمان : 28 ] . قال الزمخشري : ( قولنا ) مبتدأ و ( أن نّقول ) خبره و ( كن فيكون ) من ( كان ) التامة التي بمعنى الحدوث والوجود . أي إذا أردنا وجود شيء فليس إلا أن نقول له : أحدث ، فهو يحدث عقيب ذلك ، لا يتوقف . وهذا مثل . لأن مرادا لا يمتنع عليه . وأن وجوده عند إرادته تعالى غير متوقف ، كوجود المأمور به عند أمر الآمر المطاع إذا ورد على المأمور المطيع الممتثل . ولا قول ثمّ . والمعنى : إن إيجاد كل مقدور على اللّه تعالى بهذه السهولة . فكيف يمتنع عليه البعث الذي هو في شق المقدورات . انتهى . قال الشهاب : فسقط ما قيل : إنّ ( كن ) إن كان خطابا مع المعدوم فهو محال . وإن كان مع الموجود كان إيجادا للموجود . وفي الآية كلام لطيف مضى في سورة البقرة ، فارجع إليه . ثم أخبر تعالى عن جزائه للمهاجرين الذين فارقوا الدار والأهل والخلّان ، رجاء ثوابه وابتغاء مرضاته ، بقوله : القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة النحل ( 16 ) : آية 41 ] وَالَّذِينَ هاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ ( 41 ) وَالَّذِينَ هاجَرُوا فِي اللَّهِ أي مخلصين لوجهه ، أو في حقه ، وهم إما مهاجرة الحبشة الذين اشتدّ أذى قومهم لهم بمكة ، حتى خرجوا من بين أظهرهم إلى بلاد الحبش بأمره صلى اللّه عليه وسلم ، وذلك مخافة الفتنة وفرارا إليه تعالى بدينهم ، وكانوا ثلاثة وثمانين رجلا سوى صغار أبنائهم ، وهي أول هجرة في الإسلام . ويؤيده كون السورة مكية . أو هم مهاجرة المدينة ، أخبر به قبل وقوعه أو بعده ، إلا أنها ألحقت بالمكية . وقوله تعالى مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا أي أوذوا وأريد فتنتهم عن الدين لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيا حَسَنَةً يعني بالغلبة على من ظلمهم ، وإيراثهم أرضهم وديارهم وَلَأَجْرُ