محمد جمال الدين القاسمي

354

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة النحل ( 16 ) : آية 9 ] وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْها جائِرٌ وَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ ( 9 ) وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْها جائِرٌ وَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ . في الآية فوائد : الأولى : قال ابن كثير : لما ذكر تعالى من الحيوانات ما يسار عليه في السبل الحسية نبّه على الطرق المعنوية الدينية . وكثيرا ما يقع في القرآن العبور من الأمور الحسية إلى الأمور المعنوية الدينية . كقوله تعالى : وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى [ البقرة : 197 ] ، وقال تعالى : يا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباساً يُوارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشاً ، وَلِباسُ التَّقْوى ذلِكَ خَيْرٌ [ الأعراف : 26 ] . ولما ذكر تعالى ، في هذه السورة الحيوانات من الأنعام وغيرها ، التي يركبونها ويبلغون عليها حاجة في صدورهم ، وتحمل أثقالهم إلى البلاد والأماكن البعيدة والأسفار الشاقة ، شرع في ذكر الطرق التي يسلكها الناس إليه . فبيّن أن الحق منها موصلة إليه . فقال : وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ . كقوله تعالى : وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ [ الأنعام : 153 ] . وقال : هذا صِراطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ [ الحجر : 41 ] ، انتهى . وقوله سبحانه : إِنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى . الثانية - قال أبو السعود : ( القصد ) مصدر بمعنى الفاعل . يقال سبيل قصد وقاصد . أي مستقيم . على طريقة الاستعارة أو على نهج إسناد حال سالكه إليه ، كأنه يقصد الوجه الذي يؤمه السالك لا يعدل عنه . أي حقّ عليه سبحانه وتعالى ، بموجب رحمته ووعده المحتوم ، بيان الطريق المستقيم الموصل لمن يسلكه إلى الحق ، الذي هو التوحيد . بنصب الأدلة وإرسال الرسل وإنزال الكتب لدعوة الناس إليه . أو مصدر بمعنى الإقامة والتعديل . قاله أبو البقاء . أي عليه ، عزّ وجلّ ، تقويمها وتعديلها . أي : جعلها بحيث يصل سالكها إلى الحق . لكن لا بعد ما كانت في نفسها منحرفة عنه ، بل إبداعها ابتداء كذلك على نهج ( سبحان من صغّر البعوض وكبّر الفيل ) وحقيقته راجعة إلى ما ذكر من نصب الأدلة . وقد فعل ذلك حيث أبدع هذه البدائع التي كل واحد منها لا حب يهتدى بمناره . وعلم يستضاء بناره . وأرسل رسلا مبشرين ومنذرين . وأنزل عليهم كتبا من جملتها هذا الوحي الناطق بحقيقة الحق . الفاحص عن كل ما جل من الأسرار ودق . الهادي إلى سبيل الاستدلال بتلك