محمد جمال الدين القاسمي
352
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
وفرحت أربابها . وأجلتهم في عيون الناظرين إليها ، وكسبتهم الجاه والحرمة عند الناس ، ونحوه : لِتَرْكَبُوها وَزِينَةً [ النحل : 8 ] ، يُوارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشاً [ الأعراف : 26 ] . فإن قلت : لم قدمت الإراحة على التسريح ؟ قلت : لأن الجمال في الإراحة أظهر ، إذا أقبلت ملأى البطون ، حافلة الضروع ، ثم أوت إلى الحظائر حاضرة لأهلها . انتهى . ثم أشار إلى فائدة جامعة للحاجة والزينة فقال : القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة النحل ( 16 ) : الآيات 7 إلى 8 ] وَتَحْمِلُ أَثْقالَكُمْ إِلى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بالِغِيهِ إِلاَّ بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ ( 7 ) وَالْخَيْلَ وَالْبِغالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها وَزِينَةً وَيَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ ( 8 ) وَتَحْمِلُ أَثْقالَكُمْ أي أحمالكم إِلى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ بكسر الشين المعجمة وفتحها . وقراءتان وهما لغتان في معنى ( المشقة ) أي لم تكونوا بالغيه بأنفسكم إلا بجهد ومشقة ، فضلا عن أن تحملوا على ظهوركم أثقالكم إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ أي حيث سخرها لمنافعكم . ثم أشار إلى ما هو أتم في دفع المشقة وإفادة الزينة ، فقال : وَالْخَيْلَ وَالْبِغالَ وَالْحَمِيرَ عطف على ( الأنعام ) لِتَرْكَبُوها وَزِينَةً عطف محل ( لتركبوها ) فهي مفعول له أو مصدر لمحذوف . أي وتتزينوا بها زينة ، أو مصدر واقع موقع الحال من فاعل ( تركبوها ) أو مفعوله . أي متزينين بها أو متزينا بها . وسر التصريح باللام في المعطوف عليه ، دون المعطوف ، هو الإشارة إلى أن المقصود المعتبر الأصليّ في الأصناف ، هو الركوب : وأما التزين بها فأمر تابع غير مقصود قصد الركوب . فاقترن المقصود المهم باللام المفيدة للتعليل . تنبيها على أنه أهم الغرضين وأقوى السببين . وتجرد التزين منها تنبيها على تبعيته أو قصوره عن الركوب . واللّه أعلم . كذا في ( الانتصاف ) تنبيه : استدل بهذه الآية القائلون بتحريم لحوم الخيل . قائلين بأن التعليل بالركوب يدل على أنها مخلوقة لهذه المصلحة دون غيرها . قالوا : ويؤيد ذلك إفراد هذه الأنواع الثلاثة بالذكر وإخراجها عن الأنعام . فيفيد ذلك اتحاد حكمها في تحريم الأكل . قالوا : ولو كان أكل الخيل جائزا ، لكن ذكره والامتنان به أولى من ذكر الركوب ، لأنه أعظم فائدة منه وأجاب المجوّزون لأكلها ، بأنه لا حجة في التعليل بالركوب ، لأن ذكر ما هو الأغلب من منافعها ، لا ينافي غيره .