محمد جمال الدين القاسمي

314

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

الأرض ضارب بعروقه فيها وَفَرْعُها أي أعلاها ورأسها فِي السَّماءِ تُؤْتِي أُكُلَها أي ثمرها كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّها أي بإرادته وتكوينه وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ أي : لأن فيها زيادة إفهام وتذكير وتصوير للمعاني المعقولة بالصور المحسوسة . القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة إبراهيم ( 14 ) : آية 26 ] وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ ما لَها مِنْ قَرارٍ ( 26 ) وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ أي : استؤصلت وأخذت جثتها بالكلية مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ أي : لأن عروقها قريبة منه ما لَها مِنْ قَرارٍ أي : استقرار . تنبيه : لحظ في الممثل به - أعني الشجرة - أوصاف جليلة لتلحظ في جانب الممثل له . فمنها : كونها طيبة . أعم من طيب المنظر والصورة والشكل ومن طيب الريح . وطيب الثمرة وطيب المنفعة . وكون أصلها ثابتا أي : راسخا باقيا في أمن من الانقلاع والانقطاع والزوال والفناء ليعظم الفرح به والسرور . وكون فرعها في السماء فدل على كمال حال تلك الشجرة من جهة ارتفاع أغصانها وقوتها في التصاعد ، ممّا يبرهن على ثبات الأصل ورسوخ العروق ، وجهة بعدها عن العفونات والأقذار فتكون ثمرتها نقية طاهرة طيبة عن جميع الشوائب وكون ثمرتها تجتنى كلّ حين فلا تنقطع بركاتها وخيراتها . ولا ريب أن وجود هذه الأوصاف مما يدل على فخامة الموصوف وإنافة فضله . ولا تخفى مطابقة هذا الممثّل به للممثل له - أعني الحق - وهو الإسلام الذي جاء به خاتم الأنبياء عليهم السلام . ولمّا كان المثل مضروبا للحق والباطل في الثبات وعدمه ، والقصد أهلهما ، صرح بهما فذلك له ، فقال في أهل المثل الأول : القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة إبراهيم ( 14 ) : آية 27 ] يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ ما يَشاءُ ( 27 ) يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ القول الثابت هو الكلمة الطيبة التي ذكرت صفتها العجيبة وهو الحق . و ( بالقول ) جوّزوا تعلقه ب ( يثبت ) و ( آمنوا ) . والمعنى على الأول : ثبتهم بالبقاء على ذلك ، أو ثبتهم في سؤال