محمد جمال الدين القاسمي
31
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة يونس ( 10 ) : آية 50 ] قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُهُ بَياتاً أَوْ نَهاراً ما ذا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ ( 50 ) قُلْ أَ رَأَيْتُمْ أي أخبروني إِنْ أَتاكُمْ عَذابُهُ أي الذي تستعجلون به بَياتاً أي ليلا أَوْ نَهاراً ما ذا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ أي ولا شيء منه بمرغوب البتة . لطائف : الأولى - ( أرأيت ) يستعمل بمعنى الاستفهام عن الرؤية البصرية أو العلمية ، وهو أصل . وضعه ثم استعملوه بمعنى ( أخبرني ) والرؤية فيه يجوز أن تكون بصرية وعلمية فالتقدير : أأبصرت حالته العجيبة ، أو أعرفتها ؟ فأخبرني عنها . ولذا لم يستعمل في غير الأمر العجيب . ولما كانت رؤية الشيء سببا لمعرفته ، ومعرفته سببا للإخبار عنه ، أطلق السبب القريب أو البعيد ، وأريد مسببه ، وهل هو بطريق التجوز كما ذهب إليه كثير ، أو التضمين كما ذهب إليه أبو حيان - كذا في ( العناية ) الثانية - سر إيثار ( بياتا ) على ( ليلا ) مع ظهور التقابل فيه ، الإشعار بالنوم والغفلة ، وكونه الوقت الذي يبيت فيه العدوّ ، ويتوقع فيه ، ويغتم فرصة غفلته ، وليس في مفهوم الليل هذا المعنى ، ولم يشتهر شهرة النهار بالاشتغال بالمصالح والمعاش ، حتى يحسن الاكتفاء بدلالة الالتزام كما في النهار ، أو النهار كله محل الغفلة ، لأنه إما زمان اشتغال بمعاش أو غذاء ، أو زمان قيلولة . كما في قوله : بَياتاً أَوْ هُمْ قائِلُونَ [ الأعراف : 4 ] بخلاف الليل ، فإن محل الغفلة فيه ما قارب وسطه وهو وقت البيات ، لذا خص بالذكر دون النهار . و ( البيات ) بمعنى التبييت كالسلام بمعنى التسليم ، ولا بمعنى البيتوتة . الثالثة - قيل : إن استعجالهم العذاب ، كان المقصود منه الاستبعاد والاستهزاء ، دون ظاهره ، فورود ( ما ) هنا في الجواب على الأسلوب الحكيم . لأنهم ما أرادوا بالسؤال إلا الاستبعاد أن الموعود منه تعالى ، وأنه افتراء ، فطلبوا منه تعيين وقته تهكما وسخرية ، فقال في جوابهم هذا التهكم لا يتم إذا كنت مقرا بأني مثلكم ، وأني لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا فكيف أدعي ما ليس لي به حق ؟ ثم شرع في الجواب الصحيح ، ولم يلتفت إلى تهكمهم واستبعادهم - أفاده الطيبي - الرابعة - سر إيثار ما ذا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ على ( ماذا يستعجلون منه ) هو الدلالة على موجب ترك الاستعجال ، وهو الإجرام ، لأن من حق المجرم أن يخاف