محمد جمال الدين القاسمي
287
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
قال الناصر : وحقيقة هذا النفي أنهم ليسوا بشركاء وأن اللّه لا يعلمهم كذلك لأنهم ليسوا كذلك . وإن كانت لهم ذوات ثابتة يعلمها اللّه ، إلا أنها مربوبة حادثة لا آلهة معبودة . ولكن مجيء النفي على هذا السنن المتلوّ بديع لا تكتنه بلاغته وبراعته ولو أتى الكلام على الأصل غير محلّى بهذا التصريف البديع لكان : وجعلوا للّه شركاء وما هم بشركاء . فلم يكن بهذا الموقع الذي اقتضته التلاوة . وقوله تعالى : أَمْ بِظاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ أي : بل أتسمونهم شركاء بظاهر من القول من غير أن يكون لذلك حقيقة ، كتسمية الزنجيّ كافورا من غير بياض فيه ولا رائحة طيبة ، لفرط الجهل وسخافة العقل ، وهذا كقوله تعالى : ذلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْواهِهِمْ [ التوبة : 30 ] ما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْماءً سَمَّيْتُمُوها [ يوسف : 40 ] ، وعن الضحاك إن الظاهر بمعنى الباطل . كقوله : وذلك عار يا ابن ريطة ظاهر . . . تنبيه : قال الزمخشري : هذا الاحتجاج وأساليبه العجيبة التي ورد عليها ، مناد على نفسه بلسان طلق ذلق ، أنه ليس من كلام البشر لمن عرف وأنصف من نفسه . قال شارحوه : فإن قوله تعالى أَ فَمَنْ هُوَ قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ لما كان كافيا في هدم قاعدة الإشراك مع السابق واللاحق وما ضمن من زيادات النكت ، وكان إبطالا من طريق حق ، مذيلا بإبطال من طرف النقيض على معنى : ليتهم إذ أشركوا بمن لا يجوز أن يشرك به ، أشركوا من يتوهم فيه ذلك أدنى توهم ، وروعي فيه أنه لا أسماء للشركاء ولا حقيقة لها فضلا عن المسمى على الكناية الإيمائية . ثم بولغ بأنها لا تستأهل أن يسأل عنها على الكناية التلويحية استدلالا بنفي العلم عن نفي المعلوم . ثم منه إلى عدم الاستئهال مع التوبيخ ، وتقدير أنهم يريدون أن ينبئوا عالم السرّ والخفيات بما لا يعلمه وهو محال على محال وفي جعل اتخاذهم شركاء . ومجادلة الرسول عليه الصلاة والسلام إنباء له تعالى ، نكتة بل نكت سرية . ثم أضرب عن ذلك وقيل : قد بين الشمس لذي عينين وما تلك التسمية إلّا بظاهر من القول لا طائل تحته بل هو صوت فارغ . فمن تأمل حقّ التأمل ، اعترف بأنه كلام خلق القوى والقدر ، الذي تقف دون أستار أسراره أفهام البشر . . . ! وقوله تعالى : بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ إضراب عن الاحتجاج عليهم .