محمد جمال الدين القاسمي
285
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
والتذكير في ( كلم ) لتغليب المذكر من الموتى على غيره . وقوله تعالى بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعاً أي : له الأمر الذي عليه يدور فلك الأكوان وجودا وعدما ، يفعل ما يشاء . ويحكم ما يريد لما يدعو إليه من الحكم البالغة وهو إضراب عما تضمنته لَوْ من معنى النفي ، أي : لو أن قرآنا فعل به ما ذكر لكان هذا القرآن . ولكن لم يفعل بل فعل ما عليه الشأن الآن ، لأن الأمر كله له وحده ، وعلى تقدير الزجاج السالف ، فالإضراب متوجه إلى ما سلف اقتراحهم مع كونهم في العناد على ما شرح . أي : فليس لهم ذلك بل للّه الأمر جميعا . إن شاء أتى بما اقترحوا وإن شاء لم يأت به حسبما تستدعيه الحكمة ، من غير أن يكون عليه تحكم أو اقتراح . كذا في أبي السعود . وقوله تعالى أَ فَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعاً أي : أفلم يعلم ويتبيّن كقوله : ألم ييأس الأقوام أنّي أنا ابنه * وإن كنت عن أرض العشيرة نائيا وقوله : أقول لهم بالشّعب إذ ييسرونني * ألم تيأسوا أني ابن فارس زهدم أي : ألم تعلموا ! وييسرونني من إيسار الجزور ، أي يقسمونني ، ويروى : يأسرونني من ( الأسر ) . أي : أفلم يعلموا أنه تعالى لو شاء هدايتهم لهداهم ، لأن الأمر له . ولكن قضت الحكمة أن يكون بناء التكليف على الاختيار . وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا أي : من أهل مكة تُصِيبُهُمْ بِما صَنَعُوا قارِعَةٌ أي : بسبب ما صنعوه من الكفر والتمادي فيه . وعدم بيانه لتهويله أو استهجانه والقارعة : الداهية التي تقرع وتقلق ، يعنى ما كان يصيبهم من أنواع البلايا والمصائب من القتل والأسر والنهب والسلب أَوْ تَحُلُّ أي : تلك القارعة قَرِيباً أي : مكانا قريبا مِنْ دارِهِمْ فيفزعون منها ويتطاير إليهم شررها حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ أي : فتح مكة إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعادَ أي : لا ينقض وعده لرسله بالنصرة لهم ولأتباعهم في الدنيا والآخرة ، كما قال تعالى : فَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ [ إبراهيم : 47 ] ، وفي الآية وجه آخر ، وهو حمل لِلَّذِينَ كَفَرُوا على جميع الكفار أي : لا يزالون ، بسبب تكذيبهم ، تصيبهم القوارع في الدنيا أو تصيب من حولهم ليعتبروا ، كقوله تعالى : وَلَقَدْ أَهْلَكْنا ما حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرى وَصَرَّفْنَا الْآياتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ [ الأحقاف : 27 ] ، وقوله : أَ فَلا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها ، أَ فَهُمُ الْغالِبُونَ [ الأنبياء : 44 ] .