محمد جمال الدين القاسمي

258

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

هما آدم وحواء ، فكذا الأشجار والزروع خلقت أولا من زوجين اثنين ثم كثرت واللّه أعلم . الثالثة - في قوله يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ استعارة تبعية تمثيلية مبنية على تشبيه إزالة نور الجوّ بالظلمة ، بتغطية الأشياء الظاهرة بالأغطية ، أي يستر النهار بالليل . والتركيب وإن احتمل العكس أيضا - بالحمل على تقديم المفعول الثاني على الأول - فإن ضوء النهار أيضا ساتر لظلمة الليل ، إلا أن الأنسب بالليل أن يكون هو الغاشي . وعدّ هذا في تضاعيف الآيات السفلية ، وإن كان تعلقه بالآيات العلوية ظاهرا - باعتبار أن ظهوره في الأرض - فإن الليل إنما هو ظلها . وفيما فوق موقع ظلها لا ليل أصلا . ولأن الليل والنهار لهما تعلق بالثمرات من حيث العقد والإنضاج ، على أنهما أيضا زوجان متقابلان مثلها . وقرئ ( يغشّي ) من التغشية - أفاده أبو السعود . ثم بيّن تعالى طائفة من الآيات بقوله : القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة الرعد ( 13 ) : آية 4 ] وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوانٌ وَغَيْرُ صِنْوانٍ يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ( 4 ) وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ أي : بقاع متقاربات مختلفة الطبائع . فمن طيّبة إلى سبخة ، ومن صلبة إلى رخوة ، مما يدل على قادر مدبر مريد حكيم في صنعه وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوانٌ وَغَيْرُ صِنْوانٍ جمع صنو ، وهي نخلة أصلها واحد وفروعها شتى ، وفي ( القاموس ) النخلتان ، فما زاد في الأصل الواحد ، كل واحدة منهما صنو . ويضمّ أو عامّ في جميع الشجر ، وإفراد الزرع لأنه مصدر في الأصل يشمل القليل والكثير يُسْقى قرئ بالتحتيّة والفوقية بِماءٍ واحِدٍ أي : بماء المطر أو بماء النهر وَنُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ فتتفاضل قدرا وشكلا ورائحة وطعما . والأكل ، قرئ بضم الهمزة والكاف وتسكينها وهو ما يؤكل ، وهو هنا الثمر والحبّ . والمجرور إما ظرف ل ( نفضل ) أو حال من بعضها ، أي : نفضل بعضها مأكولا ، أو : وفيه الأكل إِنَّ فِي ذلِكَ أي : الذي فصل لَآياتٍ على وحدانيته تعالى وباهر قدرته لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ فإن من عقل ما تقدم جزم بأن من قدر على إبداعها