محمد جمال الدين القاسمي
246
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
يناسب حكم سيدنا يوسف عليه السلام ، وذلك أنه أمر أتباعه أن يسألوهم قالُوا فَما جَزاؤُهُ إِنْ كُنْتُمْ كاذِبِينَ [ يوسف : 74 ] الآية ، فكانت شريعة بني يعقوب أن يستعبدوا السارق سنة عند صاحب المتاع ، فعاملهم بما هم عليه ، ولذلك يقول اللّه تعالى : ما كانَ لِيَأْخُذَ أَخاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ ، نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ ، وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ [ يوسف : 76 ] ، امتدح على حسن خطته في السياسة ومراعاته عادة أولئك القوم . وهذه - وإن كانت مسألة بسيطة الظاهر - فهي أم السياسة ورأس علوم العمران ، وأول ما يوصى به السواس والعقلاء ! تاللّه ! ما أجمل القرآن وما أبهج العلم ! وليت شعري كيف يقول اللّه بعدها نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ [ يوسف : 76 ] . ولولا ما فيها من مبدأ شريف وحكم عالية مع وضوحها وبساطتها لذوي النظر السطحي والبله الغفّل ، ما أعطاها هذا الجلال والإعظام ومدح العلم ! فحيا اللّه العلم وأدام دولته . ! ومن العجب الغريب تدبير هذه الحيلة بإخفاء الصواع ، ثم نظر أمتعتهم جميعا فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَها مِنْ وِعاءِ أَخِيهِ [ يوسف : 76 ] ، وهذه : - وأيم اللّه - هي بعينها ما يصنعه ملوك الأرض قاطبة اليوم من السياسات والتلطف في الأمور الخفية ، وإلباسها ألبسة مختلفة لسياسة بلادهم ، وطلبا لحصول المقاصد النافعة ، ودخولا للبيوت من أبوابها ؛ ولكن بينهم وبين هذا النبيّ بون بعيد . . . ! فانظر كيف تعطي هذه القصة هذه الأمور العجيبة ! لعمري ! إن من طالع ما أمليناه بإمعان عن هذه القصة يتخيل عند تلاوتها أنه مشاهد أعمال الأمم الحاضرة والغابرة ! وكأنما طالع آراء أهل المدينة الفاضلة ، وعرف الحكماء وسواس الأمم ، وشاهد جمال العلم والأدب والحكمة والموعظة الحسنة ، حتى يعلم علم اليقين كيف قال اللّه في أول السورة نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِما أَوْحَيْنا إِلَيْكَ هذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغافِلِينَ [ يوسف : 3 ] ، ويقول في آخرها : ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ [ يوسف : 102 ] ، ويقول : قُلْ هذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحانَ اللَّهِ وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ [ يوسف : 108 ] ، ثم ذكر أن الإنسان لا ينبغي له أن ييأس من روح اللّه فقال : حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ . . . [ يوسف : 110 ] الآية ، ثم أفاد أن المقصود هو العبر والنظر لتأثير القصص وثمراتها ، لا مجرد تفسيرها ؛ إذ مجرد التفسير أمر بسيط يقنع به البسطاء . وإنما المقصد هو الاتعاظ والاعتبار فقال : لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبابِ ، ما كانَ حَدِيثاً يُفْتَرى . . الآية .