محمد جمال الدين القاسمي
242
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
بايع الصحابة - عليهم رضوان اللّه - الخليفة الأول ، فأخذ قماشا وذراعا وذهب إلى السوق في الغداة ، فاستاء الصحابة ولاموه فقال : إذا أضعت أهلي ، فأنا للمسلمين أضيع ! ففرضوا له دريهمات من بيت المال ، فقال : إذن أنظر في شؤونكم ! لذلك ، نجد الغربيين - إذا ولّوا رجلا إدارة بلادهم - أكثروا السؤال عن قرينته وإدارة منزله ، علما منهم أن منزله أقرب إليه من الأمة . فانظر هذه الحقائق من سيرة النبيّ يوسف الصدّيق كيف ذكرت في الكتب السماوية ، ورتبت في القرآن ترتيبا محكما ، ذكرت فيها السياسات الثلاث مرتبة هكذا : النفس فالمنزل فالمدينة ، ترتيبا طبيعيا ، تنبيها لبني الإسلام على معرفة هذا العلم وانتقائهم الأكفاء للأعمال العامة . فأشير فيها لتربية الأخلاق الفاضلة بالعفة في عنفوان الشباب مع الصديق . وليت شعري ! كيف حفظ أخلاق آبائه وقومه والأنبياء في وسط مدنية المصريين وزخرفهم وجمالهم ، وعبد اللّه وحده ، ونسي ما يراه من أبي الهول وأبيس والأرباب المتفرقة . . . ؟ ! يذكر هذا تبصرة لمن أحاطت بهم أمواج الحدثان من كلّ جانب ، أن يحافظوا على أصول دينهم وقواعده ، ثم ليفعلوا ما يشاءون في أمور دنياهم . . ! ظهر صدق يوسف في أخلاقه الشخصية ، فلم يكن ذلك كافيا لإدارة أموره العامة ، فأودع السجن وأحيط بالأحداث والجهلة من كلّ جانب ، فأخذ يسوسهم كما يسوس الرجل أهل منزله ، وبثّ عقيدته بينهم ، ظاهرا بمظهر الكمال والإحسان والعطف عليهم : قالَ لا يَأْتِيكُما طَعامٌ تُرْزَقانِهِ . . . [ يوسف : 37 ] الآية . وأخذ يقص عليهم سيرة أسلافه ، وحبّه لمذهبهم ، وبغضه لأصنام المصريين ، ونحوهم ، فقال : إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ . . . [ يوسف : 37 ] الآية . ثم أخذ يذكّرهم أنّ تفرّق وجهة الأمة ضلال في السياسة ، وأنّ توحيد وجهتها كياسة فيها ، فقال : يا صاحِبَيِ السِّجْنِ أَ أَرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ [ يوسف : 39 ] ، فتفريق الوجهة شتات الجامعة . لم تسد أمة في الوجود إلا برجال يوحّدون وجهتها أيا كانت فيؤمّون مقصدا واحدا ! والتفصيل لا يخفى على أولي الألباب . . ! وفي ( آراء أهل المدينة الفاضلة ) للفارابي اثنتا عشرة جامعة بكل منهن قوم اتحدت بها : كاللغة ، والوطن ، والدين ، والأخلاق ، والجنس ، والحكيم المرشد ، والأب الأكبر ونحو ذلك مما امتازت به أمة أو جماعة . ولما تمّ له ، عليه السلام ، الأمران - سياسة النفس والعشيرة - أخرج من