محمد جمال الدين القاسمي

240

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

مكابدة قريش ، ومفارقة وطنه ، ثم تعقيب ذلك بظفره بعدوّه ، وإعزاز دينه ، وإظهار كلمته ، ورجوعه إلى بلده ، على حالة قرّت بها عيون المؤمنين ، وما فتح اللّه عليه وعلى أصحابه . فتأمّل ذلك ! ويوضحه ختم السورة بقوله : حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ . . . . فحاصل هذا كله الأمر بالصبر ، وحسن عاقبة أولياء اللّه فيه - كذا في تفسير البرهان للبقاعي ملخصا - وجاء في كتاب ( النظام والإسلام ) في بحث التربية والآداب في قصص القرآن ما مثاله : طال الأمر على أمتنا ، فأهملت ما في غضون كتابها من أساس التربية والحكمة ، وكيف تنتقى الرجال الأكفاء في مهام الأعمال . يا ليت شعري ! ما الذي أصابها حتى غضت النظر عن القصص التي قصها ، وأهملت أمرها ، وظن أهلها أنها أمور تاريخية لا تفيد إلا المؤرخين . القصص في كل أمة ، عليها مدار ارتقائها ، سواء كانت وضعية أم حقيقية ، على ألسنة الحيوان أو الإنسان أو الجماد . على هذا تبحث الأمم ، قديمها وحديثها . وناهيك بكتاب ( كليلة ودمنة ) وما والاه من القصص الناسجة على منواله في الإسلام ، ككتاب ( فاكهة الخلفاء ) و ( مقامات الحريري ) . جاء القرآن بقصص الأنبياء ، وهي - لا جرم . أعلى منالا ، وأشرف مزية . كيف لا وقد جمعت أحسن الأسلوب ، واختيار المقامات المناسبة لما سيقت إليه ، والقدوة الحسنة للكمّل المخلصين من الأنبياء ومن والاهم ، وتحققها في أنفسها ، لوقوع مواردها ، وإن حب التشبه طبيعة مرتكزة في الإنسان ، لا سيما لمن يقتدي بهم . فهذه خمس مزايا اختصت بها هذه القصص ، ونقصت في سواها . أليس من العيب الفاضح أن نقرأ قصص القرآن ، فلا نكاد نفهم إلا حكايات ذهبت مع الزمان ، ومرت كأمس الدابر ؟ ! وما لنا ولها إذن ؟ ! تاللّه إن هذا لهو البوار ! ولم يكن هذا إلا للجهل بالمقصود من قصصها ، وأنها عبرة لمن اعتبر ، وتذكرة لمن تفكر ، وتبصرة لمن ازدجر . أما الرجوع إلى التاريخ ، ومقارنته بما قصه المؤرخون في كتبهم ، وما سطره الأقدمون على مباينتهم ، وما يقوله القاصّون في خرافتهم ، فتلك سبيل حائد عن الجادّة ، يضلّ فيه الماهرون . يرشدك لذلك ما تسمعه من نبأ فتية الكهف ، وكيف يقول : سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ ، وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْماً بِالْغَيْبِ . وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ ما يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ [ الكهف : 22 ] فانظر كيف أسند العلم للّه ، ولم يعوّل على قول المؤرخين المختلفين ثم لم يبيّن الحقيقة لئلا يكون ذريعة للطعن في التنزيل . فإن قال : خمسة ، قالوا : ستة ؛ وإن قال : أربعة ،