محمد جمال الدين القاسمي
235
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
الدار الآخرة ، وهي خير لهم من الدنيا . كقوله تعالى : إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ [ غافر : 51 ] . أَ فَلا تَعْقِلُونَ أي تستعملون عقولكم ، فتعلموا أن الآخرة خير ، أو تعلموا كيف عاقبة أولئك . ثم بيّن تعالى أن العاقبة لرسله ، وأن نصره يأتيهم إذا تمادى تكذيبهم ، تثبيتا لفؤاده صلى اللّه عليه وسلم ، فقال سبحانه : القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة يوسف ( 12 ) : آية 110 ] حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جاءَهُمْ نَصْرُنا فَنُجِّيَ مَنْ نَشاءُ وَلا يُرَدُّ بَأْسُنا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ ( 110 ) حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ أي : من إجابة قومهم ، وَظَنُّوا أي : علموا وتيقنوا . يعني : الرسل . أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جاءَهُمْ نَصْرُنا يقرأ كذبوا بضم الكاف وتشديد الذال . أي : كذبهم قومهم بما جاءوا به ، لطول البلاء عليهم . ويقرأ بضم الكاف وتخفيف الذال . فالضمير في ظَنُّوا - على ما اختاروه - للقوم . أي : ظنوا أن الرسل قد كذبوا . أي : ما وعدوا به من النصر . وروي عن ابن عباس أن الضمير للرسل . أي : وظنوا حين ضعفوا وغلبوا أنهم قد أخلفوا ما وعدهم اللّه من النصر ، وقال : كانوا بشرا ، وتلا قوله تعالى : وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللَّهِ [ البقرة : 214 ] ، وقد استشكلوه على ابن عباس ، وتأوّلوا لكلامه وجوها : قال الزمخشري : أراد بالظن ما يخطر بالبال ، ويهجس في القلب ، من شبه الوسوسة ، وحديث النفس ، على ما عليه البشرية . انتهى . وقيل : المراد بظنهم عليهم السلام ذلك ، المبالغة في التراخي والإمهال ، على طريق الاستعارة التمثيلية ، بأن شبه المبالغة في التراخي بظن الكذب ، باعتبار استلزام كل منهما ، لعدم ترتب المطلوب ، فاستعمل ما لأحدهما للآخر . وقال الخطابي : لا شك أن ابن عباس لا يجيز على الرسل أنها تكذب بالوحي ، ولا تشك في صدق المخبر ، فيحمل كلامه على أنه أراد أنهم ، لطول البلاء عليهم ، وإبطاء النصر وشدة استنجاز ما وعدوا به - توهموا أن الذي جاءهم من الوحي كان