محمد جمال الدين القاسمي

223

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

الجفاء ، والبعد عن موارد العلوم ، وعن رفاهة المدنية ، ولطف المعاشرة ، والكمالات الإنسانية ، وروي لجرير : أرض الحراثة لو أتاها جرول * أعني الحطيئة لاغتدى حرّاثا ما جئتها من أي وجه جئتها * إلا حسبت بيوتها أجداثا وفي الحديث « 1 » : ( من بدا جفا ) أي : من حل البادية . وفي آخر « 2 » : ( إنّ الجفا والقسوة في الفدادين ) . ففي هذا دليل على حسن النقلة من البوادي إلى المدن . بزيادة . الثاني - قص كثير نبأ استقرار يعقوب وآله بمصر . ومجمله أن يوسف اختار لمستقرهم أرض جاسان . فلما دخلوا مصر أخبر يوسف فرعون بقدوم أبيه وإخوته وجميع ما لهم إلى أرض جاسان ، ثم أدخل أباه على فرعون . فأكرمه وكلمه حصة . وسأله عن عمره فأجابه : مائة وثلاثون سنة ، وأقطعه وبنيه أجود أرض في مصر ، وهي أرض رعمسيس ، أي عين شمس ، وملكها إياهم ، ودعا له يعقوب ثم انصرف . ثم أخذ يوسف خمسة من إخوته ، فمثلهم بين يدي فرعون ، فقال لهم : ما حرفتكم فأجابوه - : كما أوصاهم يوسف - : نحن وآباؤنا رعاة غنم ! فقال فرعون ليوسف : إن كنت تعلم أن فيهم ذوي حذق ، فأقمهم وكلاء على ماشيتي . وأجرى يوسف لأبيه وإخوته وسائر أهله طعاما على حسبهم . وأقاموا في أرض مصر بجاسان ، فتملكوا فيها ، ونموا وكثروا جدّا . وعاش يعقوب في أرض مصر سبع عشرة سنة ، فكانت مدة عمره كله مائة وسبعا وأربعين سنة . ولما دنا أجله قال ليوسف : لا تدفني بمصر إذا مت ، بل احملني منها إلى مدفن آبائي ، فأجابه لذلك . ثم بعد مدة أخبر يوسف بمرض أبيه ، فأخذ ولديه وسار إلى أبيه ، فانتعش أبوه بمقدمه ، ورأى ولديه ، فقال : من هذان ؟ فقال : ابناي رزقنيهما اللّه هاهنا . فقال : أدنهما مني ، فأدناهما ، فقبلهم ، ودعا لهما ، وقال له : لم أكن أظن أني أرى وجهك ، والآن أراني اللّه نسلك أيضا . ثم أعلم يوسف بدنو أجله ، وبشره بأن اللّه سيكون معكم ، ويردكم إلى أرض آبائكم . ثم دعا بقية بنيه ، ودعا لهم بالبركة ، وأوصاهم بأن يضموه إلى قومه ، ويدفنوه مع آبائه في

--> ( 1 ) أخرجه الإمام أحمد في مسنده 2 / 371 . ( 2 ) أخرجه البخاريّ في : بدء الخلق ، 15 - باب خير مال المسلم غنم يتبع بها شعف الجبال ، حديث 1562 عن ابن مسعود ، من حديث ، ونصه : ألا إن القسوة وغلظ القلوب . . إلخ . وأخرجه مسلم في : الإيمان ، حديث رقم 81 .