محمد جمال الدين القاسمي
212
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
خبرهما وَلا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ أي فرجه ورحمته المريحة من الشدة . إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ لم يقل ( منه ) إشارة إلى ظهور حصوله لمن لم ييأس - إِلَّا الْكافِرُونَ أي باللّه ورحمته ، وقدرته على إفاضة الرّوح ، بعد مضي المدة في الشدة وسنته في إفاضة اليسر مع العسر ، لا سيّما في حق من أحسن الظن به . وقوله تعالى : القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة يوسف ( 12 ) : آية 88 ] فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قالُوا يا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنا بِبِضاعَةٍ مُزْجاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ ( 88 ) فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ أي على يوسف بعد ما رجعوا من مصر ، ولانفهامه من المقام طوى ذكره إيجازا قالُوا : يا أَيُّهَا الْعَزِيزُ أي : الملك القادر ، المتمنع مَسَّنا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ أي : الشدة من الجدب . وَجِئْنا بِبِضاعَةٍ مُزْجاةٍ أي : بدراهم قليلة في مقابلة ما نمتاره . استقلوا الثمن واستحقروه اتضاعا لهيبة الملك ، واستجلابا لرأفته وحنانه . وأصل معنى ( التزجية ) : الدفع والرمي ، فكنوا به عن القليل الذي يدفع ، رغبة عنه ، لذلك فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ أي : أتممه ووفره بهذه الدراهم المزجاة ، كما توفره بالدراهم الجياد . وَتَصَدَّقْ عَلَيْنا أي : بردّ أخينا ، أو بالإيفاء ، أو بالمسامحة وقبول ما لا يعد عوضا . إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ أي يثيبهم أحسن المثوبة . تنبيهات : الأول - في الآية إرشاد إلى أدب جليل ، وهو تقديم الوسائل أمام المآرب ، فإنها أنجح لها . وهكذا فعل هؤلاء : قدموا ما ذكر من رقة الحال ، والتمسكن ، وتصغير العوض ، ولم يفجئوه بحاجتهم ، ليكون ذريعة إلى إسعاف مرامهم ، ببعث الشفقة ، وهز العطف والرأفة وتحريك سلسلة الرحمة - كما قدمنا - ومن ثم ، رقّ لهم ، وملكته الرحمة عليهم ، فلم يتمالك أن عرّفهم نفسه ، كما يأتي - الثاني - يؤخذ من الآية جواز شكوى الحاجة لمن يرجى منه إزالتها . الثالث - استدل بعضهم بقوله تعالى : فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ على أن أجرة الكيال على البائع ، لأنه إذا كان عليه توفية الكيل ، فعليه مؤنته ، وما يتم به . الرابع - استدل بقوله تعالى : وَتَصَدَّقْ عَلَيْنا من قال : إن الصدقة لم تكن