محمد جمال الدين القاسمي
207
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
أنفسهم صورة التناجي وحقيقته ، وكان تناجيهم في تدبير أمرهم على أي صفة يذهبون ، وما يقولون لأبيهم في شأن أخيهم ؟ كقوم تعايوا بما دهمهم من الخطب ، فاحتاجوا إلى التشاور . انتهى لطيفة : ذكر القاضي عياض في ( الشفا ) في ( بحث إعجاز القرآن ) : أن أعرابيا سمع رجلا يقرأ : فلما استيأسوا منه خلصوا نجيّا ، فقال : أشهد أن مخلوقا لا يقدر على مثل هذا الكلام . وقال الثعالبي في كتاب ( الإيجاز والإعجاز ) في الباب الأول : من أراد أن يعرف جوامع الكلم ، ويتنبه لفضل الاختصار ، ويحيط ببلاغة الإيماء ، ويفطن لكفاية الإيجاز فليتدبر القرآن ، وليتأمل علوّه على سائر الكلام . ثم قال : فمن ذلك قوله عز ذكره ، في إخوة يوسف فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا وهذه صفة اعتزالهم جميع الناس وتقليبهم الآراء ظهرا لبطن ، وأخذهم في تزوير ما يلقون به أباهم عند عودهم إليه ، وما يوردون عليه من ذكر الحادث . فتضمنت تلك الكلمات القصيرة معاني القصة الطويلة . وقوله تعالى : قالَ كَبِيرُهُمْ أي في السن ، كما هو المتبادر ، وهو ، فيما يروى ، ( رؤبين ) ، أَ لَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَباكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقاً مِنَ اللَّهِ أي عهدا وثيقا في ردّ أخيكم . وإنما جعل منه تعالى لكون الحلف كان باسمه الكريم . وَمِنْ قَبْلُ أي قبل هذا ما فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ أي قصرتم في شأنه و ( ما ) إما مزيدة ، و ( من ) متعلق بالفعل بعده ، والجملة حالية . وإما مصدرية في موضع رفع بالابتداء و ( من قبل ) خبره . أو في موضع نصب عطفا على معمول ( تعلموا ) . وإما موصولة بالوجهين ، أي : قدمتموه في حقه من الخيانة ، ولم تحفظوا عهد أبيكم ، بعد ما قلتم : وَإِنَّا لَهُ لَناصِحُونَ [ يوسف : 11 ] ، و وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ [ يوسف : 63 ] . فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ أي : فلن أفارق أرض مصر حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أي في الرجوع أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي أي بالخروج من مصر ، أو بخلاص أخي بسبب ما . وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ لأنه لا يحكم إلا بالحق والعدل . ثم أمر كبيرهم أن يخبروا أباهم بما جرى ، فقال :