محمد جمال الدين القاسمي
201
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
قال صلى اللّه عليه وسلم « 1 » في الأبتر وذي الطفيتين من الحيات : إنهما يلتمسان البصر ، ويسقطان الحبل . ومنها ما يؤثر في الإنسان كيفيتها بمجرد الرؤية من غير اتصال به ، لشدة خبث تلك النفس ، وكيفيتها الخبيثة المؤثرة . والتأثير غير موقوف على الاتصالات الجسمية ، كما يظنه من قل علمه ، ومعرفته بالطبيعة والشريعة ، بل التأثير يكون تارة بالاتصال ، وتارة بالمقابلة ، وتارة بالرؤية وتارة بتوجه الروح نحو من يؤثر فيه ، وتارة بالأدعية والرقي والتعوذات ، وتارة بالوهم والتخيل . ونفس العائن لا يتوقف تأثيرها على الرؤية ، بل قد يكون أعمى فيوصف له الشيء ، فتؤثر نفسه فيه وإن لم يره . وكثير من العائنين يؤثر في المعين بالوصف من غير رؤية ، وقد قال اللّه تعالى لنبيه : وَإِنْ يَكادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصارِهِمْ [ القلم : 51 ] ، وقال : قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ ، مِنْ شَرِّ ما خَلَقَ وَمِنْ شَرِّ غاسِقٍ إِذا وَقَبَ ، وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثاتِ فِي الْعُقَدِ ، وَمِنْ شَرِّ حاسِدٍ إِذا حَسَدَ [ الفلق : 1 - 5 ] ، فكل عائن حاسد ، وليس كل حاسد عائنا . فلما كان الحاسد أعم من العائن ، كانت الاستعاذة منه استعاذة من العائن ، وهي سهام تخرج من نفس الحاسد والعين نحو المحسود والمعين ، تصيبه العين تارة ، وتخطئه تارة ، فإن صادفته مكشوفا لا وقاية عليه أثرت فيه ، ولا بد . وإن صادفته حذرا ، شاكي السلاح ، لا منفذ فيه للسهام ، لم تؤثر فيه ، وربما ردت السهام على صاحبها . وهذا بمثابة الرمي الحسيّ سواء ، فهذا من النفوس والأرواح ، وهذا من الأجسام والأشباح . وأصله من إعجاب العائن بالشيء ، ثم يتبعه كيفية نفسه الخبيثة ، ثم تستعين على تنفيذ سمها بنظرة إلى المعين . وقد يعين الرجل نفسه ، وقد يعين بغير إرادته ، بل بطبعه . وهذا أرادأ ما يكون من النوع الإنساني . وقد قال أصحابنا وغيرهم من الفقهاء : إن من عرف بذلك ، حبسه الإمام ، وأجرى له ما ينفق عليه إلى الموت . وهذا هو الصواب قطعا ، انتهى . كلام ابن القيّم ، عليه الرحمة . وقال الرازي : ليس من شرط المؤثر أن يكون تأثره بحسب الكيفيات المحسوسة ، أعني الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة ، بل قد يكون التأثير نفسانيا محضا ، ولا يكون للقوى الجسمانية بها تعلق ، والذي يدل عليه أن اللوح الذي يكون قليل العرض ، إذا كان موضوعا على الأرض قدر الإنسان على المشي عليه ، ولو كان موضوعا فيما بين جدارين عاليين لعجز الإنسان عن المشي عليه . وما ذاك إلا لأن خوفه من السقوط منه يوجب سقوطه ، فعلمنا أن التأثرات النفسانية موجودة .
--> ( 1 ) أخرجه أبو داود في : الأدب ، 162 - باب في قتل الحيات ، حديث 5252 ، عن ابن عمر .