محمد جمال الدين القاسمي

165

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

قال ابن الأبياري : هذا وفاق بين لغة قريش وأهل حوران ، كما اتفقت لغة العرب والروم في ( القسطاس ) ونحوه . و مَعاذَ اللَّهِ منصوب على المصدر . أي : أعوذ باللّه معاذا مما تدعينني إليه ، لكونه زنى وخيانة فيما اؤتمنت عليه ، وضرّا لمن توقع النفع ، وإساءة إلى المحسن . قال أبو السعود : وهذا اجتناب منه على أتم الوجوه ، وإشارة إلى التعليل بأنه منكر هائل ، ! يجب أن يعاذ باللّه تعالى للخلاص منه ، وما ذاك إلا لأنه عليه السلام قد شاهد بما أراه اللّه تعالى من البرهان النيّر على ما هو عليه في حد ذاته من غاية القبح ، ونهاية السوء . وقوله : إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوايَ تعليل للامتناع ببعض الأسباب الخارجية ، مما عسى أن يكون مؤثرا عندها ، وداعيا لها إلى اعتباره بعد التنبيه على سببه الذاتي الذي تكاد تقبله لما سولته لها نفسها . والضمير للشأن . وفائدة تصدير الجملة به الإيذان بفخامة مضمونها ، مع ما فيه من زيادة تقريره في الذهن ، فإن الضمير لا يفهم منه من أول الأمر إلا شأن مبهم له خطر ، فيبقى الذهن مترقبا لما يعقبه ، فيتمكن عند وروده له فضل تمكن . فكأنه قيل : إن الشأن الخطير هذا ، وهو ربي ، أي سيدي العزيز ، أحسن مثواي ، أي تعهدي ، حيث أمرك بإكرامي ، فكيف يمكن أن أسيء إليه بالخيانة في حرمه ؟ وفيه إرشاد لها إلى رعاية حق العزيز بألطف وجه . وقيل : الضمير للّه عزّ وجلّ ، و رَبِّي خبر إن ، و أَحْسَنَ مَثْوايَ خبر ثان . أو هو الخبر والأول بدل من الضمير . والمعنى : أن الحال هكذا ، فكيف أعصيه بارتكاب تلك الفاحشة الكبيرة ؟ وفيه تحذير لها من عقاب اللّه عزّ وجلّ . وعلى التقديرين ، ففي الاقتصار على ذكر هذه الحالة من غير تعرض للامتناع عما دعته إليه ، إيذان بأن هذه المرتبة من البيان كافية في الدلالة على استحالته ، وكونه مما لا يدخل تحت الوقوع أصلا . وقوله تعالى : إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ تعليل للامتناع المذكور ، غبّ تعليل . و ( الفلاح ) الظفر ، أو البقاء في الخير . ومعنى ( أفلح ) دخل فيه ، كأصبح وأخواته . والمراد ب ( الظالمين ) كل من ظلم ، كائنا من كان ، فيدخل في ذلك المجازون للإحسان بالإساءة ، والعصاة لأمر اللّه تعالى ، دخولا أوليّا ، وقيل : الزناة ، لأنهم ظالمون لأنفسهم ، وللمزنيّ بأهله . انتهى . وقال بعض اليمانين : ثمرات هذه الآية ثلاث :