محمد جمال الدين القاسمي

150

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

بحث في الرؤيا : قال الإمام الراغب الأصفهاني في كتابه ( الذريعة ) في بحث ( الفراسة ) ما مثاله : ومن الفراسة علم الرؤيا . وقد عظّم الله تعالى أمرها في جميع الكتب المنزلة ، وقال لنبيه صلى اللّه عليه وسلم : وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ [ الإسراء : 60 ] ، وقال : إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنامِكَ . . . [ الأنفال : 43 ] الآية ، وقال في قصة إبراهيم : يا بُنَيَّ إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ [ الصافات : 102 ] ، وقوله : يا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً [ يوسف : 4 ] . والرؤيا هي فعل النفس الناطقة ، ولو لم يكن لها حقيقة لم يكن لإيجاد هذه القوة في الإنسان فائدة . واللّه تعالى يتعالى عن الباطل . وهي ضربان : ضرب وهو الأكثر . أضغاث أحلام وأحاديث النفس بالخواطر الردية ، لكن النفس في تلك الحال كالماء المتموّج . لا يقبل صورة . وضرب وهو الأقل ، صحيح ، وذلك قسمان : قسم لا يحتاج إلى تأويل ، ولذلك يحتاج المعبر إلى مهارة يفرق بين الأضغاث وبين غيرها ، وليميز بين الكلمات الروحانية والجسمانية ، ويفرق بين طبقات الناس ، إذ كان فيهم من لا تصحّ له رؤيا ، وفيهم من تصحّ رؤياه . ثم من صحّ له ذلك ، منهم من يرشّح أن تلقى إليه في المنام الأشياء العظيمة الخطيرة ، ومنهم من لا يرشح له ذلك . ولهذا قال اليونانيون . يجب أن يشتغل المعبر بعبارة رؤيا الحكماء والملوك دون الطغام ، وذلك لأن له حظا من النبوّة . وقد قال عليه الصلاة والسلام « 1 » : ( الرؤيا الصادقة جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوّة ) وهذا العلم يحتاج إلى مناسبة بين متحرّيه وبينه ، فرب حكيم لا يرزق حذقا فيه ورب نزر الحظ من الحكمة وسائر العلوم توجد له فيه قوّة عجيبة . انتهى - . وقال الأستاذ ابن خلدون : حقيقة الرؤيا مطالعة النفس الناطقة ، في ذاتها الروحانية ، لمحة من صور الواقعات . فإنها عندما تكون روحانية تكون صور الواقعات فيها موجودة بالفعل ، كما هو شأن الذوات الروحانية كلها ، وتصير روحانية بأن تتجرد عن المواد الجسمانية ، والمدارك البدنية . وقد يقع لها ذلك لمحة بسبب النوم ، كما

--> ( 1 ) أخرجه البخاريّ في : التعبير ، 2 - باب رؤيا الصالحين ، حديث 2536 ونصه : عن أنس بن مالك أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال « الرؤيا الحسنة من الرجل الصالح . . . » .