محمد جمال الدين القاسمي
146
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة يوسف ( 12 ) : آية 3 ] نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِما أَوْحَيْنا إِلَيْكَ هذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغافِلِينَ ( 3 ) نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ أي أبدعه طريقة ، وأعجبه أسلوبا ، وأصدقه أخبارا ، وأجمعه حكما وعبرا بِما أَوْحَيْنا إِلَيْكَ أي بإيحائنا إليك هذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغافِلِينَ أي عنه ، لم يخطر ببالك . والتعبير عن عدم العلم بالغفلة لإجلال شأن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم . وقد جوز في هذا أن يكون مفعول نقص ، على أن ( أحسن ) نصب على المصدر . وأن يكون مفعول ( أوحينا ) على أن مفعول نقص ( أحسن ) أو محذوف . وأن يكون بدلا من ( ما ) على أنها موصولة أو خبر محذوف كذلك . القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة يوسف ( 12 ) : آية 4 ] إِذْ قالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ ( 4 ) إِذْ قالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يعني يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليه السلام . والظرف بدل من المفعول قبله بدل اشتمال ، أو مفعول لمحذوف . يا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ إنما ناجى يوسف أباه بهذه الرؤيا ، لاعتقاده كمال علمه ، وشفقته عليه ، بحيث لو كانت رؤياه تسوءه لأمكنه صرفها عنه . قال القاشانيّ : هذه من المنامات التي تحتاج إلى تعبير ، لانتقال المتخيّلة من النفوس الشريفة التي عرض على النفس من الغيب سجودها له ، إلى الكواكب والشمس والقمر ، وما كانت في نفس الأمر إلا أبويه وإخوته . ( يا أبت ) أصله يا أبي ، فعوض عن الياء تاء التأنيث لتناسبهما في الزيادة ، وكسرها لأنه عوض عن حرف يناسبها . وقرئ بفتحها لأنها حركة أصلها ، أو لأنه كان ( يا أبتا ) فحذف الألف ، وبقي الفتحة . وقرئ بالضم إجراء لها مجرى الأسماء المؤنثة بالتاء ، من غير اعتبار التعويض . وقوله : ( رأيتهم ) استئناف لبيان حالهم التي رآهم عليها ، فلا تكرير : أو تأكيد للأولى تطرية لطول العهد ، كما في قوله : أَ يَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُراباً وَعِظاماً أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ [ المؤمنون : 35 ] ، وإنّما أجريت مجرى العقلاء في ضميرهم وجمع صفتهم جمعا سالما ، لوصفها بوصفهم ، وهو السجود .