محمد جمال الدين القاسمي
102
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
مع ذلك أدب الحضرة ، وحسن السؤال فقال : وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ ولم يقل : لا تخلف وعدك بإنجاء أهلي ، وإنما قال ذلك ففهمه من الأهل ذوي القرابة الصورية ، والرحم النسبية ، وغفل ، لفرط التأسف على ابنه ، عن استثنائه تعالى بقوله : إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ ولم يتحقق أن ابنه هو الذي سبق عليه القول ، فاستعطف ربه بالاسترحام ، وعرض بقوله : وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحاكِمِينَ إلى أن العالم العادل والحكيم لا يخلف وعده . القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة هود ( 11 ) : آية 46 ] قالَ يا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ فَلا تَسْئَلْنِ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ ( 46 ) قالَ يا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ أي الموعود إنجاؤهم ، بل من المستثنين لكفرهم ، أوليس منهم أصلا ، لأن مدار الأهلية هو القرابة الدينية ، ولا علاقة بين المؤمن والكافر . قال القاشاني : أي أن أهلك في الحقيقة هو الذي بينك وبينه القرابة الدينية ، واللحمة المعنوية ، والاتصال الحقيقي لا الصوري . كما قال أمير المؤمنين عليّ رضي اللّه عنه : ألا وإن وليّ محمد ، من أطاع اللّه ، وإن بعدت لحمته . ألا وإن عدوّ محمد ، من عصى اللّه ، وإن قربت لحمته . إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ بيّن انتفاء كونه من أهله بأنه غير صالح ، تنبيها على أن أهله هم الصلحاء ، أهل دينه وشريعته ، وإنه لتماديه في الفساد والغي ، كأن نفسه عمل غير صالح ، وتلويحا بأن سبب النجاة ليس إلا الصلاح ، لا قرابته منك بحسب الصورة فمن لا صلاح له ، لا نجاة له . وهذا سر إيثار غَيْرُ صالِحٍ على ( عمل فاسد ) . وقد قرأ يعقوب والكسائي ( عمل ) بلفظ الماضي ، والباقون بلفظ المصدر ، بجعله نفس العمل ، مبالغة ، كما بيّنا . فَلا تَسْئَلْنِ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ أي لا تلتمس مني ملتمسا أو التماسا لا تعلم أصواب هو أم غير صواب ؟ حتى تقف على كنهه . قالوا : والنهي إنما هو عن سؤال ما لا حاجة له إليه أصلا ، إما لأنه لا يهم ، أو لأنه قامت القرائن على حاله ، كما هنا ، لا عن السؤال للاسترشاد .