محمد جمال الدين القاسمي
7
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
المحسوس مختلف ، فمنه الميزان المعروف ، ومنه القبان للأثقال ، والأصطرلاب لحركات الفلك والأوقات ، والمسطرة للمقادير والخطوط ، والعروض لمقادير حركات الأصوات . فالميزان الحقيقيّ ، إذا مثله اللّه عز وجل للحواس ، مثله بما شاء من هذه الأمثلة أو غيرها . فحقيقة الميزان وحده موجود في جميع ذلك ، وهو ما يعرف به الزيادة من النقصان . وصورته تكون مقدرة للحس عند التشكيل ، وللخيال عند التمثيل ، واللّه تعالى أعلم بما يقدره من صنوف التشكيلات . والتصديق بجميع ذلك واجب . انتهى . الثاني : الذي يوضع في الميزان يوم القيامة . قيل : الأعمال وإن كانت أعراضا إلا أن اللّه تعالى يقلبها يوم القيامة أجساما . قال البغوي : يروى هذا عن ابن عباس ، كما جاء في ( الصحيح ) « 1 » « أنّ البقرة وآل عمران يأتيان يوم القيامة كأنّهما غمامتان أو غيابتان ، أو فرقان من طير صوافّ » . ومن ذلك في ( الصحيح ) « 2 » قصة القرآن ، وأنه يأتي صاحبه في صورة شاب شاحب اللون ، فيقول : من أنت ؟ فيقول : أنا القرآن الذي أسهرت ليلك ، وأظمأت نهارك . و في حديث البراء « 3 » في قصة سؤال القبر : فيأتي المؤمن شابّ حسن اللون ، طيب الريح ، فيقول : من أنت ؟ فيقول : أنا عملك الصالح . وذكر عكسه في شأن الكافر والمنافق . فالأعمال الظاهرة في هذه النشأة بصور عرضية ، تبرز على هذا القول في النشأة الآخرة بصور جوهرية ، مناسبة لها في الحسن والقبح . فالذنوب والمعاصي تتجسم هناك ، وتتصور بصورة النار ، وعلى ذلك حمل قوله تعالى : وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ * [ العنكبوت : 54 ] ، وقوله تعالى :
--> ( 1 ) الحديث رواه مسلم في : صلاة المسافرين وقصرها ، حديث رقم 252 ونصه : عن أبي أمامة الباهلي قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول « اقرؤا القرآن ، فإنه يأتي يوم القيامة شفيعا لأصحابه . اقرؤا الزهراوين : البقرة وسورة آل عمران ، فإنهما تأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان أو كأنهما غيابتان . أو كأنهما فرقان من طير صواف . تحاجان عن أصحابهما . اقرؤا سورة البقرة فإن أخذها بركة وتركها حسرة . ولا يستطيعها البطلة » . ( 2 ) أخرجه ابن ماجة في : الأدب ، 52 - باب ثواب القرآن ، حديث 3781 ونصه : عن بريدة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « يجيء القرآن يوم القيامة كالرجل الشاحب ، فيقول : أنا الذي أسهرت ليلك وأظمأت نهارك » . ( 3 ) أخرجه الإمام أحمد في مسنده 4 / 287 .