محمد جمال الدين القاسمي
30
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
تنبيه : قال الجشمي : تدل الآية على عظيم نعمه تعالى بهذه النعم التي عدّها . وذهب علي بن موسى القمي إلى أنها تدل على وجوب ستر العورة . وقال آخرون : لا تدل ، وليس في الظاهر إلا الإنعام به من حيث نفي الحر والبرد وستر العورة والتجمل به ، فأما أنه واجب ، فبعيد . ولو ثبت وجوبه عليه ، احتجنا إلى وجوبه في شريعتنا إلى دليل مستأنف . وقد ثبت في هذه الشريعة وجوبه بالخبر المستفيض والإجماع ، فلا حاجة إلى الرجوع إلى شريعة أخرى . وتدل على أنه تعالى كما أنعم بنعم الدنيا ، أنعم بنعم الدين ، فإن الأقرب أن لباس التقوى العلم والعمل الصالح ، فكأنه ضم إلى نعم الدنيا نعم الدين التي بها يحصل الفوز بالثواب ، فتحصل نعمة الدارين . القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة الأعراف ( 7 ) : آية 27 ] يا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ كَما أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُما لِباسَهُما لِيُرِيَهُما سَوْآتِهِما إِنَّهُ يَراكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ ( 27 ) يا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ أي لا يخدعنكم عن دخول الجنة ، بنزع لباس الشريعة والتقوى عنكم ، فيخرجكم من نظر اللّه بالرحمة إليكم كَما أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ نعت لمصدر محذوف ، أي لا يفتننكم فتنة مثل إخراج أبويكم يَنْزِعُ عَنْهُما لِباسَهُما أي الظاهر بسبب نزع لباس التقوى لِيُرِيَهُما سَوْآتِهِما أي الظاهرة الدالة على السوأة الباطنة . وجملة ( ينزع ) حال من ( أبويكم ) أو من فاعل ( أخرج ) ، أي : أخرجهما نازعا لباسهما ، بأن كان سببا في أن نزغ عنهما ؛ وصيغة المضارع لاستحضار الصورة . تنبيهان : الأول - قال السيوطي في ( الإكليل ) : استدل بهذه الآية أيضا على وجوب ستر العورة ، واستدل بالآيتين من قال : إن العورة هي السوأتان خاصة - انتهى - . الثاني - قال الإمام الرازي : اعلم أن المقصود من ذكر قصص الأنبياء عليهم السلام حصول العبرة لمن يسمعها ، فكأنه تعالى لما ذكر قصة آدم ، وبين فيها شدة عداوة الشيطان لآدم وأولاده ، أتبعها بأن حذر أولاده من قبول وسوسة الشيطان ، فقال : يا بَنِي آدَمَ . . . الآية - وذلك لأن الشيطان لما بلغ أثر كيده ، ولطف