محمد جمال الدين القاسمي

12

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ هذا كقوله تعالى : وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ [ الحجر : 28 - 29 ] وفي تصدير هذه الآية بالقسم وحرف التحقيق ، كالتي قبلها ، إعلام بكمال العناية بمضمونها . قال أبو السعود : وإنما نسب الخلق والتصوير إلى المخاطبين ، مع أن المراد بهما خلق آدم عليه السلام وتصويره حتما ، توفية لمقام الامتنان حقه ، وتأكيدا لوجوب الشكر عليهم ، بالرمز إلى أن لهم حظّا من خلقه عليه السلام وتصويره ، لما أنهما ليسا من الخصائص المقصورة عليه ، بل من الأمور السارية إلى ذريته جميعا ، إذ الكل مخلوق في ضمن خلقه على نمطه ، ومصنوع على شاكلته ، فكأنهم الذي تعلق به خلقه وتصويره . أي : خلقنا أباكم آدم طينا غير مصور ، ثم صورناه أبدع تصوير ، وأحسن تقويم ، سار إليكم جميعا - انتهى - . القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة الأعراف ( 7 ) : آية 12 ] قالَ ما مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ ( 12 ) قالَ سبحانه وتعالى ما مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ أي أن تسجد كما وقع في سورة ( ص ) . و ( لا ) مزيدة للتنبيه على أن الموبّخ عليه ترك السجود . ولتوكيد لمعنى الفعل الذي دخلت عليه وتحقيقه ، كما في قوله تعالى : لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ [ الحديد : 29 ] ، كأنه قيل : ليتحقق علم أهل الكتاب ، وما منعك أن تحقق السجود وتلزمه نفسك . وتوقف بعض المحققين في وجه إفادة ( لا ) النافية تأكيد ثبوت الفعل مع إيهام نفيه ، واستظهر الشهاب أنها لا تؤكده مطلقا ، بل إذا صحبت نفيا مقدما أو مؤخرا صريحا أو غير صريح ، كما في غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ وكما هنا ، فإنها تؤكد تعلق المنع به - انتهى - . وقيل ( ما منعك ) محمول على ( ما حملك وما دعاك ) مجازا أو تضمينا . وقال الراغب : المنع ضد العطية ، وقد يقال في الحماية . والمعنى ما حماك عن عدم السجود . ولا يخفى أن السؤال عن المانع من السجود ، مع علمه به ، للتوبيخ ولإظهار معاندته وكفره وكبره وافتخاره بأصله وتحقيره أصل آدم عليه السلام . كما أوضحه قوله تعالى : قالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ قال ابن كثير . هذا من العذر الذي هو أكبر من الذنب - انتهى - . وإنما قال هذا ، ولم يقل ( منعني كذا ) مطابقة للسؤال . لأن في هذه الجملة