محمد جمال الدين القاسمي
85
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
اللّه » . فبيّن أن الأسباب التي تدفع بها المكاره هي من القدر ، ليس القدر مجرّد دفع المكروه بلا سبب . وكذلك قول من قال : ( إن الدعاء لا يؤثر شيئا والتوكل لا يؤثر شيئا ) هو من هذا الجنس ، لكن إنكار ما أمر به من الأعمال أمر ظاهر ، بخلاف تأثير التوكل . لكن الأصل واحد . وهو النظر إلى المقدور مجردا عن أسبابه ولوازمه . ومن هذا الباب : ( أن المقتول يموت بأجله ) عند عامة المسلمين . إلّا فرقة من القدرية قالوا : إن القاتل قطع أجله . ثم تكلم الجمهور : لو لم يقتل ؟ قال بعضهم : كان يموت لأن الأجل قد فرغ ، وقال بعضهم : لا يموت لانتفاء السبب . وكلا القولين قد قال به من ينسب إلى السنة ، وكلاهما خطأ . فإن القدر سبق بأنه يموت بهذا السبب لا بغيره . فإذا قدر انتفاء هذا السبب كان فرض خلاف ما في المقدور ، ولو كان المقدور أنه لا يموت بهذا السبب ، أمكن أن يكون المقدور أنه يموت بغيره ، وأمكن أن يكون القدر أنه لا يموت . فالجزم بأحدهما جهل فيما تعددت أسبابه ، لم يجزم بعدمه عند عدم بعضها ، ولم يجزم بثبوته إن لم يعرف له سبب آخر . بخلاف ما ليس له إلّا سبب واحد . مثل دخول النار ، فإنه لا يدخلها إلّا من عصى . فإذا قدر أنه لم يعص لم يدخلها . وقال تعالى : فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غالِبَ لَكُمْ ، وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ ، وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ [ آل عمران : 159 - 160 ] فأمره إذا عزم ، أن يتوكل على اللّه ؛ فلو كان التوكل لا يعينه على نيل ما عزم عليه ، لم يكن لأمره به عند العزم فائدة ، بيّن أنه هو سبحانه الناصر دون غيره وقال : وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ [ آل عمران : 160 ] فنهى عن التوكل على غيره ، وأمر بالتوكل عليه ليحصل للمتوكل عليه النصر الذي لا يقدر عليه غيره . وإلّا فالمتوكل على غيره يطلب منه النصر ، فإن كان ذلك المطلوب لا يحصل منه لم يكن لذكر انفراده بالنصر معنى ؛ فإنه على هذا القول : نصره لمن توكل عليه كنصره لمن لم يتوكل عليه . وهذا يناقض مقصود الآية . بل عند هؤلاء : قد ينصر من يتوكل على غيره ولا ينصر من يتوكل عليه ، فكيف يأمر بالتوكل عليه دون غيره مقرونا بقوله : إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غالِبَ لَكُمْ ، وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ ، وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ وكذلك قوله تعالى : أَ لَيْسَ اللَّهُ بِكافٍ عَبْدَهُ ، وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ ، وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ . . . - إلى قوله - قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ ، عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ . [ الزمر : 36 - 39 ] فبيّن أن اللّه يكفي عبده الذي يعبده ، الذي هو من عباده الذين ليس للشيطان