محمد جمال الدين القاسمي
68
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
وبرأسه . وضربت زيدا وضربت يد زيد . فإنه يوجد المعنى اللغويّ في جميع ذلك ، بوجود الضرب على جزء من الأجزاء المذكورة . وهكذا ما في الآية . وليس النزاع في مسمى الرأس لغة ، حتى يقال : إنه حقيقة في جميعه . بل النزاع في إيقاع المسح عليه . وعلى فرض الإجمال ، فقد بينه الشارع تارة بمسح الجميع ، وتارة بمسح البعض ، بخلاف الوجه . فإنه لم يقتصر على غسل بعضه في حال من الأحوال ، بل غسله جميعا . وأما اليدان والرجلان فقد صرح فيهما بالغاية . فإن قلت : إن المسح ليس كالضرب الذي مثلت به . قلت : لا ينكر أحد من أهل اللغة أنه يصدق قول من قال ( مسحت الثوب أو بالثوب . أو مسحت الحائط أو بالحائط ) على مسح جزء من أجزاء الثوب أو الحائط . وإنكار مثل هذا مكابرة . كذا في ( الروضة ) . قال شمس الدين بن القيّم في ( الهدى ) : ولم يصحّ عنه صلى اللّه عليه وسلم في حديث واحد ، أنه اقتصر على مسح بعض رأسه البتة . ولكن كان إذا مسح بناصيته كمل على العمامة . فأما حديث أنس الذي رواه أبو داود « 1 » : رأيت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يتوضأ وعليه عمامة قطرية ، فأدخل يده من تحت العمامة فمسح مقدم رأسه ولم ينقض العمامة - فهذا مقصود أنس به أن النبي صلى اللّه عليه وسلم لم ينقض عمامته حتى يستوعب مسح الرأس الشعر كله . ولم ينف التكميل على العمامة . وقد أثبته المغيرة بن شعبة وغيره . فسكوت أنس عنه لا يدل على نفيه . انتهى . قال الشوكانيّ : ليس النزاع إلا في الوجوب . وأحاديث التعميم ، وإن كانت أصح ، وفيها زيادة وهي مقبولة - لكن أين دليل الوجوب ؟ وليس إلّا مجرد الفعل . وهو لا يدل على الوجوب . ثم قال : وبعد هذا ، فلا شك في أولوية استيعاب المسح لجميع الرأس وصحة أحاديثه . ولكن دون الجزم بالوجوب ، مفاوز وعقاب . فصل وأما قوله تعالى : وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ . فقرأه بالنصب نافع وابن عامر وحفص والكسائي ويعقوب . وبالجرّ الباقون ، ومن هاتين القراءتين تشعبت المذاهب في صفة طهارة الرجلين . فمن ذاهب إلى أن طهارتهما الغسل . ومن ذاهب إلى أنها المسح . ومن مخيّر بينهما . ولكلّ من هذه المذاهب حجج وتأويلات وأجوبة ومناقشات نسوق شذرة منها .
--> ( 1 ) أخرجه أبو داود في : الطهارة ، 58 - باب المسح على العمامة ، حديث 147 .