محمد جمال الدين القاسمي

63

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

الزمخشريّ : لا يجوز أن يكون الأمر في الآية شاملا للمحدثين وغيرهم - لهؤلاء على وجه الإيجاب ، ولهؤلاء على وجه الندب - لأن تناول الكلمة لمعنيين مختلفين من باب الإلغاز والتعمية . وفي ( الانتصاف ) : من جوز أن يراد بالمشترك كلّ واحد من معانيه على الجمع ، أجاز ذلك في الآية . ومن المجوزين لذلك الشافعي - رحمه اللّه تعالى - وناهيك بإمام الفنّ وقدوته . وإذا وقع البناء على أن صيغة ( أفعل ) مشتركة بين الوجوب والندب ، صحّ تناولها في الآية للفريقين المحدثين والمتطهرين . وتناولها للمتطهرين من حيث الندب ، واللّه أعلم . الثالثة : قال الحافظ ابن حجر في ( الفتح ) : تمسك بهذه الآية من قال : إنّ الوضوء أول ما فرض بالمدينة ، فأمّا ما قبل ذلك ، فنقل ابن عبد البرّ اتفاق أهل السير على أن غسل غسل الجنابة إنما فرض على النبي صلى اللّه عليه وسلم وهو بمكة . كما فرضت الصلاة . وأنه لم يصلّ قط إلّا بوضوء قال : وهذا مما لا يجهله عالم . وقال الحاكم في ( المستدرك ) : وأهل السنة بهم حاجة إلى دليل الردّ على من زعم أن الوضوء لم يكن قبل نزول آية المائدة . ثم ساق حديث ابن عباس : دخلت فاطمة على النبيّ صلى اللّه عليه وسلم وهي تبكي ، فقالت : هؤلاء الملأ من قريش قد تعاهدوا ليقتلوك ! فقال : ائتوني بوضوء فتوضأ . . . الحديث . قال ابن حجر : وهذا يصلح ردا على من أنكر وجود الوضوء قبل الهجرة ، لا على من أنكر وجوبه حينئذ . وقد جزم ابن الحكم المالكيّ بأنه كان قبل الهجرة مندوبا ، وجزم ابن حزم بأنه لم يشرع إلّا بالمدينة ، وردّ عليهما بما أخرجه ابن لهيعة في ( المغازي ) التي يرويها عن أبي الأسود - يتيم عروة - عنه ؛ أن جبريل علّم النبيّ صلى اللّه عليه وسلم الوضوء عند نزوله عليه بالوحي . وهو مرسل ؛ ووصله أحمد « 1 » من طريق ابن لهيعة أيضا . لكن قال : عن الزهري عن عروة عن أسامة بن زيد عن أبيه ، وأخرجه ابن ماجة « 2 » من رواية رشدين بن سعد ، عن عقيل ، عن الزهريّ ، نحوه . لكن لم يذكر زيد بن حارثة في السند ، وأخرجه الطبرانيّ في ( الأوسط ) من طريق الليث عن عقيل موصولا ، ولو ثبت لكان على شرط الصحيح ، لكن المعروف رواية ابن لهيعة . انتهى . أي : وابن لهيعة يضعف في الحديث .

--> ( 1 ) أخرجه الإمام أحمد في مسنده 4 / 161 . ( 2 ) أخرجه ابن ماجة في : الطهارة ، 58 - باب ما جاء في النضح بعد الوضوء ، حديث 462 .