محمد جمال الدين القاسمي
58
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
تزويج المسلمة بالكتابيّ . على أن فيه إذلالا للمسلمة فلا تحتمل . الرابع : ذهب ثلة من العترة الطاهرة إلى أن المراد من ( المحصنات ) المؤمنات منهن . ذهابا إلى تحريم نكاح الكافرة . قال بعض مفسري الزيدية ، بعد أن ساق مذهب الأكثرين المتقدم : وقال القاسم والهادي والنفس الزكية ومحمد بن عبد اللّه وعامة القاسمية - وهو مرويّ عن ابن عمر : إنه لا يجوز لمسلم نكاح كافرة ، كتابية كانت أو غيرها . واحتجوا بقوله في سورة البقرة : وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ [ البقرة : 221 ] . قالوا - يعني الأكثرين - : هذا في المشركات لا في الكتابيات ، قلنا : اسم الشرك ينطلق على أهل الكتاب بدليل قوله تعالى : اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ . إلى قوله : سُبْحانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ [ التوبة : 31 ] . وعن ابن عمر : لا أعلم شركا أعظم من قول النصرانية : إن ربها عيسى . وعن عطاء : قد كثر اللّه المسلمات . وإنما رخص لهم يومئذ . قالوا : إنه تعالى عطف أحدهما على الآخر فدلّ على أنهما غيرين ، حيث قال تعالى : لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَالْمُشْرِكِينَ [ البينة : 1 ] . قلنا : هذا كقوله تعالى : الْوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ [ البقرة : 180 ] . قالوا : الآية مصرحة بالجواز في قوله : وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ قلنا : في سورة النور : الْخَبِيثاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثاتِ وَالطَّيِّباتُ لِلطَّيِّبِينَ [ النور : 26 ] . وقوله في سورة النساء : وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَناتِ الْمُؤْمِناتِ فَمِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ [ النساء : 25 ] . فشرط الإيمان في هذا يقضي بالتحريم . فتتأوّل هذه الآية : أنه أراد المحصنات من أهل الكتاب اللاتي قد أسلمن ، لأنهم كانوا يتكرهون ذلك ، فسماهنّ باسم ما كنّ عليه . وقد ورد مثل هذا في كتاب اللّه تعالى . قال اللّه : الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ أُولئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ [ البقرة : 121 ] . وقوله تعالى : الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ * [ البقرة : 146 ] . وقوله تعالى : وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ [ آل عمران : 199 ] . قالوا : سبب النزول وفعل الصحابة يدل على الجواز . وإنا نجمع بين الآيات الكريمة فنقول : قوله وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ [ البقرة : 221 ] . عامّ نخصّه بقوله تعالى وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ ؛ أو نقول : أراد ب الْمُشْرِكاتِ الوثنيات وب الْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ ، ما أفاده الظاهر . أو يكون قوله وَالْمُحْصَناتُ ناسخا لتحريم الكتابيات بقوله : وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ . قلنا : نقابل ما ذكرتم بما روي ، أن كعب بن مالك أراد أن