محمد جمال الدين القاسمي
53
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
فيه . قالوا : لأنه كان قد كسا العباس حين قدم المدينة ثوبه . فجازاه النبيّ صلى اللّه عليه وسلم . ذلك بذلك » . فأمّا الحديث « 1 » الذي فيه ( لا تصحب إلّا مؤمنا ولا يأكل طعامك إلّا تقيّ ) فمحمول على الندب والاستحباب ، واللّه أعلم . انتهى . وقال الرازيّ : أي : ويحل لكم أن تطعموهم من طعامكم . لأنه لا يمتنع أن يحرم اللّه أن نطعمهم من ذبائحنا . وأيضا فالفائدة في ذكر ذلك أن إباحة المناكحة غير حاصلة في الجانبين ، وإباحة الذبائح كانت حاصلة في الجانبين ، لا جرم ذكر اللّه تعالى ذلك تنبيها على التمييز بين النوعين . انتهى . وقال البرهان البقاعيّ في ( تفسيره ) : وقوله تعالى وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ أي : تناوله لحاجتكم إلى مخالطتهم ، للإذن في إقرارهم على دينهم بالجزية . ولما كان هذا مشعرا بإبقائهم على ما اختاروا لأنفسهم . زاده تأكيدا بقوله وَطَعامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ أي : فلا عليكم في بذله لهم ، ولا عليهم في تناوله . انتهى . وفي ( أمالي ) الإمام السهيليّ رحمه اللّه تعالى : قيل : ما الحكمة في هذه الجملة وهم كفار لا يحتاجون إلى بياننا ؟ فعنه جوابان : أحدهما أن المعنى : انظروا إلى ما أحل لكم في شريعتكم ، فإن أطعموكموه فكلوه ، ولا تنظروا إلى ما كان محرما عليهم ، فإن لحوم الإبل ونحوها كانت محرمة عليهم . ثم نسخ ذلك في شرعنا . والآية بيان لنا لا لهم ، أي : اعلموا أن ما كان محرما عليهم ، مما هو حلال لكم قد أحل لهم أيضا . ولذلك لو أطعمونا خنزيرا أو نحوه وقالوا : هو حلال في شريعتنا ، وقد أباح اللّه لكم طعامنا - كذبناهم وقلنا : إن الطعام الذي يحلّ لكم هو الذي يحل لنا ، لا غيره . فالمعنى - طعامهم حل لكم ، إذا كان الطعام الذي أحللته لكم . وهذا التفسير معنى قول السدّي وغيره . الثاني : للنحاس والزجاج والنقاش وكثير من المتأخرين ، أن المعنى : جائز لكم أن تطعموهم من طعامكم . لا أن يبين لهم ما يحل لهم في دينهم . لأن دينهم باطل . إلّا أنه لم يقل : وإطعامكم ، بل ( طعامكم ) - والطعام المأكول - وأما الفعل فهو الإطعام . فإن زعموا أن ( الطعام ) يقوم مقام ( الإطعام ) توسعا ، قلنا : بقي اعتراض آخر . وهو الفصل بين المصدر وصلته بخبر المبتدأ . وهو ممتنع بالإجماع . لا
--> ( 1 ) أخرجه الدارمي في : الأطعمة ، 23 - باب من كره أن يطعم طعامه إلا الأتقياء . وأخرجه الإمام أحمد في مسنده 3 / 38 عن أبي سعيد الخدريّ .