محمد جمال الدين القاسمي

48

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

وفي ( اللباب ) : أجمعوا على أن المراد ؛ طَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ ذبائحهم خاصة . لأن ما سوى الذبائح فهي محللة قبل أن كانت لأهل الكتاب وبعد أن صارت لهم . فلا يبقى لتخصيصها بأهل الكتاب فائدة . ولأنّ ما قبل هذه الآية في بيان حكم الصيد والذبائح . فحمل هذه الآية عليه أولى . لأن سائر الطعام لا يختلف ، من تولّاه من كتابيّ أو غيره . وإنما تختلف الذكاة . فلما خص أهل الكتاب بالذكر ، دلّ على أن المراد بطعامهم ذبائحهم . انتهى . الثاني : استدل بالآية على جميع أجزاء ذبائحهم . وهو قول الجمهور . قال الحافظ ابن حجر في ( الفتح ) : وعن مالك وأحمد ، تحريم ما حرم اللّه على أهل الكتاب كالشحوم . قال ابن القاسم : لأن الذي أباحه اللّه طعامهم . وليس الشحوم من طعامهم . ولا يقصدونها عند الذكاة . وتعقب بأن ابن عباس فسّر ( طعامهم ) بذبائحهم ، وإذا أبيحت ذبائحهم لم يحتج إلى قصدهم أجزاء المذبوح . والتذكية لا تقع على بعض أجزاء المذبوح دون بعض . وإن كانت التذكية شائعة في جميعها دخل الشحم لا محالة . وأيضا فإن اللّه تعالى نص بأنه حرم عليهم كل ذي ظفر . فكان يلزم ، على قول هذا القائل ، إن اليهوديّ ، إذا ذبح ماله ظفر ، لا يحل للمسلم أكله . ثم قال ابن حجر : وقوله تعالى : أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ يستدل به على الحلّ ، لأنه لم يخص لحما من شحم ، وكون الشحوم محرمة على أهل الكتاب لا يضر ، لأنها محرمة عليهم لا علينا . وغايته بعد أن يتقرر أن ذبائحهم لنا حلال ، أنّ الذي حرم عليهم منها مسكوت في شرعنا عن تحريمه علينا . فيكون على أصل الإباحة . انتهى . و في ( الصحيح ) « 1 » عن عبد اللّه بن مغفّل رضي اللّه عنه قال : « كنا محاصرين قصر خيبر . فرمى إنسان بجراب فيه شحم . فنزوت لآخذه . فالتفّت فإذا النبيّ صلى اللّه عليه وسلم فاستحييت منه » . و في رواية : « أدلي بجراب من شحم يوم خيبر . فحضنته وقلت : لا أعطي اليوم من هذا أحدا . والتفتّ فإذا النبيّ صلى اللّه عليه وسلم يتبسّم » . قال الحافظ ابن حجر : فيه حجة على من منع ما حرّم عليهم كالشحوم . لأن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم أقرّ ابن مغفل على الانتفاع بالجراب المذكور . وفيه جواز أكل الشحم ، مما ذبحه أهل الكتاب ، ولو كانوا أهل حرب . انتهى .

--> ( 1 ) أخرجه البخاري في : الذبائح والصيد ، 22 - باب ذبائح أهل الكتاب وشحومها من أهل الحرب وغيرهم ، حديث 1488 .