محمد جمال الدين القاسمي

469

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

ثم بين تعالى كذبهم في أيمانهم الفاجرة على أبلغ وجه وآكده بقوله : القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 111 ] وَلَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتى وَحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلاَّ أَنْ يَشاءَ اللَّهُ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ ( 111 ) وَلَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ أي : ولو أننا لم نقتصر على إيتاء ما اقترحوه هنا من آية واحدة ، بل نزلنا إليهم الملائكة ، كما قالوا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ [ الفرقان : 21 ] . وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتى كما قالوا فَأْتُوا بِآبائِنا إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ [ الدخان : 36 ] . وَحَشَرْنا أي : جمعنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ من الحيوانات والنباتات والجمادات ، قُبُلًا أي : كفلاء بصحة ما بشروا به وأنذروا ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا لغلوهم في التمرد والطغيان ، إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ أي : إيمانهم فيؤمنوا ، وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ أي : إنهم لو أوتوا كل آية لم يؤمنوا ، فيقسمون باللّه جهد أيمانهم على ما لا يكاد يكون . أو يجهلون أن الإيمان بمشيئة اللّه لا بخوارق العادات . قال القاشاني : وفي الحقيقة لا اعتبار بالإيمان المرتب على مشاهدة خوارق العادات ، فإنه ربما كان مجرد إذعان لأمر محسوس ، وإقرار باللسان ، وليس في القلب من معناه شيء ، كإيمان أصحاب السامريّ . والإيمان لا يكون إلا بالجنان ، كما قال تعالى : قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا ، قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ [ الحجرات : 14 ] . تنبيهان : الأول - يقرأ ( قبلا ) بضم القاف والباء ، وفيه وجهان : أحدهما : هو جمع قبيل بمعنى الكفيل ، مثل قليب وقلب ؛ والآخر : أنه مفرد ، كقبل الإنسان ودبره . وعلى كلا الوجهين هو حال من كلّ . ويقرأ بالضم وسكون الباء على تخفيف الضمة ويقرأ بكسر القاف وفتح الباء ، وانتصابه على الظرفية . كقولهم : لي قبل فلان حق . أو على الحالية ، وهو مصدر ، أي عيانا ومشاهدة . الثاني - في قوله تعالى : إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ حجة واضحة على المعتزلة ، لدلالته على أن جميع الأشياء بمشيئة اللّه تعالى ، حتى الإيمان والكفر . وقد اتفق سلف هذه الأمة ، وحملة شريعتها على أنه ما شاء اللّه كان ، وما لم يشأ لم يكن .