محمد جمال الدين القاسمي
463
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 108 ] وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ ( 108 ) وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ أي : لا تذكروا آلهتهم ، التي يعبدونها ، بما فيها من القبائح ، لئلا يتجاوزوا إلى الجناب الرفيع . روى عبد الرزاق عن قتادة قال : كان المسلمون يسبون أصنام الكفار ، فنهوا عنه لذلك . وقال الزجاج : نهوا أن يلعنوا الأصنام التي كانت تعبدها المشركون . انتهى . ف الَّذِينَ يَدْعُونَ عبارة عن الآلهة ، والعائد مقدر ، والتعبير ب الَّذِينَ على زعمهم أنهم من أولي العلم ، أو بناء على أن سبّ آلهتهم سبّ لهم ، كما يقال : ضرب الداية صفع لراكبها . فإن قيل : إنهم كانوا يقرّون باللّه وعظمته ، وأن آلهتهم إنما عبدوها لتكون شفعاء عنده ، فكيف يسبونه ؟ قلنا : لا يفعلون ذلك صريحا ، بل يفضي كلامهم إلى ذلك ، كشتمهم له ولمن يأمره بذلك مثلا . وقد فسر بِغَيْرِ عِلْمٍ بهذا ، وهو حسن جدّا . أو أن الغيظ والغضب ربما حملهم على سب اللّه صريحا . ألا ترى المسلم قد تحمله شدة غضبه على التكلم بالكفر ؟ ! و عَدْواً مصدر ، أي : ظلما وعدوانا ، يقال : عدا عليه عدوا ، ك ( ضربا ) ، و ( عدوّا ) ك ( عتوّ ) ، و ( عداء ) ك ( عزاء ) ، و ( عدوانا ) ك ( سبحان ) إذا تعدى وتجاوز ، وهو مفعول مطلق ل ( تسبوا ) من معناه ، لأن السبب عدوان . أو مفعول له ، أو حال مؤكدة مثل بِغَيْرِ عِلْمٍ - كذا في العناية - . تنبيه : قال ابن الفرس في الآية : إنه متى خيف من سب الكفار وأصنامهم ، أن يسبوا اللّه أو رسوله أو القرآن ، لم يجز أن يسبّوا ولا دينهم . قال : وهي أصل في قاعدة سد الذرائع . قال السيوطي : وقد يستدل بها على سقوط وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، إذا خيف من ذلك مفسدة أقوى . وكذا كل فعل مطلوب ترتب على فعله مفسدة أقوى من مفسدة تركه . وقال بعض مفسري الزيدية : ثمرة الآية أن الحسن يصير قبيحا إذا كان يحصل بفعله مفسدة .