محمد جمال الدين القاسمي

452

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

فأنى يصح أن ينسب إلى عليائه تلك العظيمة ؟ وذلك لأنه تعالى لم يخلق لأرباب هذه النشأة الدنيوية استعدادا لرؤيته المقدسة . قال العارف الجليل الشيخ الأكبر قدس سره في ( فتوحاته ) : سبب عجز الناس عن رؤية ربهم في الدنيا ضعف نشأة هذه الدار ، إلا لمن أمده اللّه بالقوة ، بخلاف نشأة الآخرة لقوتها . وسبب رؤيته تعالى في المنام كون النوم أخا الموت . وفي الحديث إنكم لن تروا ربكم حتى تموتوا . فما نفى الشرع إلا رؤية اللّه في الدنيا يقظة . انتهى . وقال بعضهم : إن الأبصار المعهودة في الدنيا لا تدركه تعالى ، لأن هذه الأحداق ما دامت تبقى على هذه الصفات التي هي موصوفة بها في الدنيا لا تدرك اللّه تعالى ، وإنما تدركه إذا تبدلت صفاتها ، وتغيرت أحوالها . و في الصحيحين « 1 » من حديث أبي موسى الأشعري رضي اللّه عنه قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إن اللّه لا ينام ، ولا ينبغي له أن ينام ، يخفض القسط ويرفعه ، يرفع إليه عمل النهار قبل الليل ، وعمل الليل قبل النهار ، حجابه النور أو النار ، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه . قال ابن كثير : وفي الكتب المتقدمة ، أن اللّه تعالى قال لموسى لما سأل الرؤية : يا موسى ! إنه لا يراني حيّ إلا مات ، ولا يابس إلا تدهده . وقال تعالى : فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسى صَعِقاً فَلَمَّا أَفاقَ قالَ سُبْحانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ [ الأعراف : 143 ] . أقول : كون المنفيّ من الإدراك في هذه الآية هو الإدراك الدنيويّ خاصة ، لا يحتاج إلى حجة ولا برهان . ومن فهم من بعض الفرق ، كالمعتزلة ، من هذه الآية أن المنفيّ هو الإدراك في النشأتين ، فقد نادى على نفسه بالجهل بما دل عليه كتاب اللّه تعالى وسنة رسوله صلى اللّه عليه وسلم المتواترة . أما الكتاب فمثل قوله تعالى : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ [ القيامة : 22 - 23 ] . وأما السنة فما روي عن جرير بن عبد اللّه

--> ( 1 ) أخرجه مسلم عن البخاري في : الإيمان ، حديث 293 ، وهذا نصه : عن أبي موسى قال : قام فينا رسول الله صلى اللّه عليه وسلم بخمس كلمات فقال « إن الله عز وجل لا ينام ، ولا ينبغي له أن ينام . يخفض القسط ويرفعه . يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار وعمل النهار قبل عمل الليل . حجابه النور ، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه » .